اخر الاخبار

في مكتب أنيق باذخ الجمال لإحدى قنوات التلفزيون في دولة خليجية، شاركتني زميلة لبنانية شابة وددت فتح أحاديث معها بعيدا عن السياسة. فعمدت إلى تشغيل أغان لفيروز عبر جهاز الحاسوب وأخذت أترنم  بصوت خفيض قصد إثارة انتباهها. وهنا حدثت المفاجأة. إذ سرعان ما صرحت بصوت عال: أكره فيروز!

سألت باستغراب: لماذا؟! وأضفت: تربينا على صوتها منذ طفولتنا ولا تمر صباحاتنا من دون الاستماع لشدو أغنياتها الرائعة.

أجابتني بحنق: إنها مارونية.

ذهلت لإجابتها واكتشفت للتو كم الكراهية والحقد الطائفيين المعشعشين  في داخلها، وهي الصحفية الشابة المثقفة كما يُفترض، والتي لم تعلل سبب كراهيتها لفيروز بعدم رغبتها في سماع موسيقاها أو كلمات أغنياتها، إنما فقط لأنها مارونية!

الكراهية وفق تعبير الكاتب المصري أنيس منصور، هي أن تبتلع السموم أملا في أن يموت شخصا آخر، وهي قذارة تلوث الروح بحسب أليف شافاك الروائية التركية.

 حقا هي كذلك وبعكسها الحب شجاعة وحكمة..

أمثلة الكراهية تُشاع حاليا في مجتمعنا بقبح شنيع لا يمكن تصوره، فمثلا ما زال الكثيرون ما أن تذكر أمامهم مفردة الحزب الشيوعي حتى ينهالوا بالسب والشتم بسموم حاقدة، مؤكدين حكمة تذكر بأننا بمرور الوقت نكره ما نخاف.. فما زالوا يخشون الحزب الشيوعي مخافة أن يُظهر بشاعتهم وسعة طغيانهم.

 من جانب آخر، وما يُعد مؤشرا خطيرا للمبالغة والتغطرس والغوص في مستنقع الكراهية، ما يشنه حاليا أشخاص يدعون الثقافة في هجوم ممنهج على كل مبادرة نسائية مدنية مثقفة، والأبشع هو السعي لاثباط عزيمة المبادرات الثقافية النسائية على نحو خاص، ممعنين بالنيل من كرامتهن وامتهان سعيهن الراقي، متخذين من القشور والواجهة الشكلية أسبابا واهية.

أشدد هنا على انه لا بد للجميع التصدي بحزم لهذه الشوائب التي تأكل من جرف الثقافة لتسقطنا في حضيض التعصب والانحطاط والتخلف.

أتساءل عن دور المثقف الحقيقي الواعي لردع هذه الظواهر، متى كانت الكراهية أساسا لبناء مجتمع راق متقدم؟! على الجميع التصدي بكل ما بوسعهم من قوة الكلمة وصلابة الموقف. فالجميع بحاجة لوقفة تكاتف لرعاية براعم الجمال واقتلاع الشوائب الضارة.

لا بد من وقفة شجاعة إزاء هذا القبح المستشري كما السرطان، والكره العفن الذي يعشعش في النفوس..

فالحب والتسامح وتقبل الآخر شجاعة جبارة قبل كل شيء ومواقف الزعيم نيلسون مانديلا إزاء أعدائه من مجرمي الفصل العنصري معروفة رغم ما عاناه من مطاردة وسجن لسنوات.