اخر الاخبار

يستيقظ آلاف الشباب العراقي كل صباح وهم يحملون السؤال نفسه: ماكو شغل؟

شباب يبحثون عن فرصة تمنحهم دخلاً وكرامة ومكاناً طبيعياً في الحياة. لكن سنوات طويلة من السياسات الاقتصادية الخاطئة جعلت البطالة واحدة من أكبر الأزمات الاجتماعية التي يواجهها العراق اليوم. ولعل احتجاجات خريجي المجموعة الطبية والصحية، كما قبلها احتجاجات الخريجين في اختصاصات أخرى، ليست سوى تعبير عن هذه المعضلة المتفاقمة. فالمشكلة لم تعد تخص دفعة أو اختصاصاً بعينه، بل باتت تمس قطاعاً واسعاً من الشباب الذين يجدون أنفسهم خارج سوق العمل، رغم ما يمتلكونه من مؤهلات وشهادات. وهذه البطالة كما أشرنا ليست ظاهرة عابرة، بل نتيجة مسار طويل من السياسات التي كرّست اقتصاداً ريعياً يعتمد على النفط، وأهملت الصناعة والزراعة والإنتاج الحقيقي، حتى أصبح الاقتصاد عاجزاً عن توليد فرص العمل التي يحتاجها المجتمع.

وخلال العقود الماضية، جرى التعامل مع الدولة بوصفها رب العمل الأكبر. ومع كل أزمة اجتماعية أو استحقاق انتخابي، كان التوسع في التوظيف الحكومي يُقدَّم بوصفه الحل الأسهل. لكن هذا المسار بلغ حدوده القصوى، فأصبحت الموازنات مثقلة بالنفقات التشغيلية، فيما تراجعت الاستثمارات المنتجة القادرة على توفير فرص عمل مستدامة. وفي المقابل، تراجعت الصناعة الوطنية، وتعرضت الزراعة للإهمال، وتقلصت مساهمة القطاعات الإنتاجية في الاقتصاد. وهكذا وجد البلد نفسه أمام معادلة مختلّة: أعداد متزايدة من الشباب الباحثين عن العمل، واقتصاد عاجز عن استيعابهم.

 لكن النموذج الريعي الذي هيمن على الاقتصاد العراقي ولا يزال، لم يكن وليس بيئةً للفشل التنموي فحسب، بل هو أيضاً بيئة مثالية للفساد. فحين تضعف القطاعات الإنتاجية وتتضخم الإيرادات الريعية، تتوسع شبكات النفوذ والصفقات والعمولات، ويتحول جزء كبير من النشاط الاقتصادي إلى توزيع للمغانم بدلاً من إنتاج الثروة. لهذا لم يعد مستغرباً أن تأتي البطالة الواسعة مع فضائح الفساد الكبرى، ولا أن يقف الخريجون العاطلون عن العمل في بلد تتحدث فيه التحقيقات عن مليارات الدولارات المنهوبة. فالأزمتان ليستا منفصلتين، بل هما وجهان لسياسات واحدة.

ومن هنا، فإن الحركة الاحتجاجية التي نشهدها اليوم، والمتوقع اتساعها، لا تعبّر فقط عن مطالب فئوية، بل عن أزمة اجتماعية أعمق. فالفلاح الذي يحتج دفاعاً عن إنتاجه، والخريج الذي يطالب بفرصة عمل، والموظف الذي يواجه تآكل دخله، جميعهم يواجهون نتائج النموذج الاقتصادي نفسه.

والحقيقة أن البطالة ليست قدراً محتوماً، بل هي نتيجة خيارات سياسية واقتصادية محددة. فالطغمة الحاكمة التي عجزت عن بناء صناعة وطنية، وأهملت الزراعة، وسمحت للفساد بابتلاع جزء كبير من موارد البلاد، لا تنتج فرص عمل بقدر ما تنتج أزمات اجتماعية متلاحقة.

وما لم نشهد تغييراً جذرياً يتجه بالدولة نحو إعادة بناء الاقتصاد على أسس إنتاجية حقيقية، وإعطاء الصناعة والزراعة والتنمية مكانتها المستحقة، ستبقى الاحتجاجات تتكرر، وستتسع دائرة البطالة، لأن أساس المشكلة يكمن في طغمة حكم فاشلة، اتبعت نموذجاً اقتصادياً أصبح أكثر قدرة على إنتاج الفساد من إنتاج فرص العمل.