قبل أيام عندما جلستُ اقلّب أعمدتي المنشورة لأستخلص منها عدداً يكون القاسم المشترك بينها موضوع واحد يحمل همّ الوطن والناس، بغية جمعها في كتاب، انتابتني نوبة ضحك مريرة واعتراني أسى وحزن على ما كتبته حول أمور كثيرة، تخصّ ما حدث ويحدث في الوطن الذي باعوه (تفصيخاً) ووقفوا على رفاته المتشظية يرقصون طربا. إنها أشبه بالكوميديا السوداء، بل هي كذلك بالفعل، ولأن شرّ البلية ما يضحك كما يقال، صرت اردد مقطعاً من إحدى قصائد نزار قباني "كان في ودّي أن اضحك ولكنّي بكيت"!
نعم بكيت في داخلي على وطنٍ يحمل إرثاً من التاريخ يمتد لأكثر من سبعة آلاف عام، وفيه من الخيرات ما يغطّي العالم كلّه ذهبا. منه انطلقت شرارة العلم والمعرفة وكل العلوم والمعارف الأخرى، لكنّه ابتلي بحكّام لم يعرفوا قدره، ومنذ مئات السنين وهو يتقلّب بين احتلال واحتلال وحرب وحرب وخراب إثر آخر، دون أن يشعر واحد منهم في الأقل بما نحن فيه لينقذ ما تبقّى. وفي آخر المطافات ابتلي بطاغية أرعن لم يفقه سوى الحروب والتضييق على شعبه بشتى المجالات، ليسقط على أيدي محتلّين جاؤوا للنهب والتخريب بحجّة التحرير وإشاعة الديمقراطية، لكنهم جلبوا خراباً أكبر من خلال ترسيخهم نظام المحاصصة المقيتة وإشاعة النعرات الطائفية وإدخال الإرهاب بشتى إشكاله وأنواعه، ليشيعوا الموت والخراب والفساد بكل ما أوتوا من قوة وتخطيط شيطاني. لهذا ما أن تنفّس الشعب بعض نسائم الحرية بسقوط الطاغية وحزبه، حتى دبّت سوسة الفساد، ومسك زمام الأمور أناس لا يفقهون من السياسة سوى الفساد والمحسوبية والمحاصصة بكل شيء. الكرسي صار هو الهمّ الأكبر بعيداً عن التفكير بإنقاذ الوطن مما هو فيه، وبناء دولة العدالة والتسامح والمدنية، وإرساء نظام ديمقراطي حقيقي عبر انتخابات نزيهة يفوز فيها الأكثر كفاءة وشعبية، ومَنْ يسعى لخدمة الوطن والناس بإخلاص دون التفكير بمصلحته الخاصة. ويتأخر كل شيء من اختيار رئيس للدولة الى رئيس للبرلمان ورئيس للحكومة واختيار الحكومة نفسها، ليقضي المواطن ليله ضاربا أخماسا بأسداس، نادباً حظه ولاعناً الساعة التي ذهب فيها إلى صناديق الاقتراع ووضع صوته في مهب التجاذبات والمناكفات والصراعات على الكرسي، الذي ستنخره الأرضة ذات يوم!
وأعود لما ابتدأت به هذا العمود حيث بكيت على كل ما كتبته، لأنني كنت متأملاً لحظة الكتابة انه سيُقرأ ويؤخذ بكل كلمة ونصيحة ومقترح لأجل خدمة هذا الوطن وهذا الشعب المسكين، لكنني وصلت الى قناعة هي أنهم لم يقرؤوا كلمة من كل ما نكتبه، ولن يستمعوا لصوت الحق أبدا. فهمّهم الأول والأخير هو كيفية رفع نسب ماليتهم وخزائنهم في المصارف والبنوك، وليذهب الوطن والناس إلى حيث يشاؤون..
يا للأسى والحزن والأسف على وطنٍ ضيّعه وخرّبه الضالّون من أهله ؟!