في وقت يكثر فيه الحديث عن مشاريع المدن السكنية بوصفها حلولًا لأزمة السكن، كشفت موجة الأمطار الأخيرة واقعًا لا يمكن تجاهله أو التستر عليه. ففي بعقوبة، ظهرت أحياء سكنية تمتد حتى مقتربات نهر ديالى، في تجاوزٍ واضح لكل الضوابط التخطيطية والبيئية، ويتكرر المشهد ذاته في بغداد، لا سيما ضمن محرمات نهر دجلة في منطقة البوعيثة وغيرها.
وفي مقابل هذا الواقع، يستمر الخطاب الرسمي بالحديث عن فرض القانون، ومعالجة أزمة السكن، بينما يواصل متنفذون تجاوزهم على الأملاك العامة دون رادع، محوّلين تجاوزاتهم إلى مصادر ربح ترفد ثرواتهم. فيما يكتفي المعنيون بالتفرج، دون تحرك حازم يوقف الانتهاكات أو يعالجها، ما يعمّق الفجوة بين القانون وتطبيقه على الأرض.
إن مشاهد التعدي على محرمات الانهر وتمدد الأحياء نحو ضفافها، يعرّي تواطؤ منظومة الحكم، حيث يغيب الردع وتحضر المصالح. والأخطر أن هذا الواقع يضرب فكرة “الدولة” في جوهرها؛ فالدولة العاجزة عن حماية فضاءاتها العامة أو المتغاضية عن استباحتها، تفقد تدريجاً قدرتها على فرض القانون بشكل عادل. وعليه، يبقى الحديث عن حلول لأزمة السكن منقوصًا، ما لم يُقترن بإرادة حقيقية لضبط التجاوزات ومحاسبة المتورطين، بغضّ النظر عن مواقعهم ونفوذهم.