اخر الاخبار

خالداً يقف، بين لينين الذي وصفه بأفضل من أعطى الطبقة العاملة وعيها بنفسها، وسارتر الذي أنكر القدرة على فهم العالم بدونه. فمن أين جاء بكل ذلك الشموخ رغم خندق النار الذي بقيّ موقدًا بين هذين المفكّرين؟ أهي قدرته على أن يكون صوتًا للبشر حين يصمتون، كما ذكر مهدي عامل، أم لأنه ظل صرخة العقل حين يضيق العالم بالعدالة، كما رأى ألياس مرقص؟

في 14 آذار الماضي، حين مرت الذكرى 143 لرحيل ماركس، تذكرت أن لا أحد كان قادرًا على أن يحبس الرجل في إطار ما، فهو عالم الاجتماع الذي وضع التحليل العلمي للمجتمع، مكتشفًا القوانين التي تحكم تطوره ومتنبئًا بالتغيرات الاجتماعية ومآلاتها، والفيلسوف الذي لم يكتفِ بتفسير الواقع بل رسم معالم تغييره، والاقتصادي الذي كشف بعمق عن التطور كثمرة للتفاعل الجدلي بين علاقات الإنتاج وقوى الإنتاج، بحيث يصبح الصراع بين مالكيها ومستعبديها القوة الأساسية التي تدفع التاريخ والتغير الاجتماعي، وبحيث ينتهي استغلال البشر وعبوديتهم واغترابهم بالخلاص من الملكية الخاصة، والصحفي الذي لم تكن تقاريره رواية مباشرة للأحداث بل مقالات نقدية متسقة مع ما يجري من حوله وشاهرة لأسئلة عميقة ومجيبة عنها، والداعية المثابر الذي لم يهمل أي فرصة لإقناع الآخرين وتحريضهم، والثوري الذي أفنى حياته في الدفاع المستميت عن حقوق المظلومين والمقهورين ومن أجل أن يكون التطور الحر للفرد شرطًا لتطور الجميع، والسياسي حين يجمع بين كل أشكال الكفاح: البرلماني والشعبي، العنفي والسلمي، والإنسان الذي وصفته زوجته وأبنته وصديقه بأنه أبٌ حنون، وصديق وفيّ، ومفكر صارم، وروحٌ متعبة تحمل همّ العالم.

ولهذا، لا يتذكره الناس فقط بيوم رحيله، بل كلما استُغلت السواعد التي تبيع قوة عملها، وكلما أبصروا وجوه العراة الحفاة الجياع والمقتادين على أكوام القمامة، وكلما قُهرت الأصوات المطالبة بالحرية والعدالة الاجتماعية، وكلما عُنّفت النساء وقُتلن أو سُلبت حقوقهن وكرامتهن الآدمية، وكلما زُجت الشعوب بالحروب، وكلما خنقت الأزمات الرأسمالية البشر.

ولهذا صار ماركس نبضًا في الضمائر، لأنه كشف لنا دور العمل المأجور في نشوء القيمة وتراكم رأس المال، وعلَّمنا كيف يؤدي تنظيمنا للتبادل والملكية والإنتاج إلى نتائج اجتماعية، وكيف تقرر قوة عملنا المباعة، حقوقنا في السكن والعمل والخدمات والرعاية الصحية والتعليم، بل وحتى في بناء العائلة، وكيف أصبح نمط السوق متغلغلًا في حياتنا لدرجة أننا لم نعد نراه، وكيف تم إخضاع كل علاقاتنا مع الطبيعة ومع الآخرين لمنطق الربح، الذي من أجل المزيد منه تراجعت الخدمات والرفاهية، وفقدنا سيطرتنا على عملنا وما ننتجه، واغتربنا عن مجتمعنا، ورهنّا أنفسنا لعبودية الأغنياء ولرفدهم بثروات أكبر.

وأرانا ماركس أيضاً كم من الموارد استثمرتها الرأسمالية، وكم من البيئة خربتها، وكم من عمالة رخيصة استغلتها في ظروف قاسية، كي تنجز ثورة معلوماتية، تغمرها بالربح، ويتطوع الجميع لاستخدام منتجاتها، دون أن يعرفوا حتى اليوم ما تأثير ذلك على حياتهم واقتصادهم وذكرياتهم واحلامهم. 

في يوم رحيله، نتخلى عن النظر لمقولاته كمجموعة عقائد جامدة، بل كأدوات تحليلية ومنهج لفهم عصرنا والتعرف عليه ورفض المجتمع الطبقي، بقسوته وظلمته، والتفكير بحرية وإرادة للتمكن من تغيير المستقبل.

يكتب وودز في يوم رحيله: "النصب الحقيقي لماركس ليس موجودًا في مقبرة هايغيت. إنه ليس مصنوعًا من الحجر أو البرونز، بل من مادة أقوى وأكثر صلابة، إنه مصنوع من الأفكار الخالدة. النصب التذكاري الوحيد الذي أحبه ماركس هو الخمسون مجلدًا التي كتبها".