كلّما يجيء التاسع من آذار نتذكّر اسطورتنا الخالدة، قد يتصوّر القارئ الكريم أنني سأتحدث عن الملاحم والأساطير التي ذُكرت في كتابات المؤرّخين الأولين وما جاء في ملحمة كلكامش العراقية والمهابهاراتا الهندية والإلياذة الاغريقية وغيرها، لكنه العكس تماماً، لأنه وأنا على يقين تام، ليس أبطال تلك الملاحم وما جاء فيها من حوادث وحكايات هم أساطير الزمان فقط، بل في كل وقت تظهر شخصية أسطورية بمواقفها وبطولاتها التي تتجسد قصصاً ورواياتٍ في كل ميادين الحياة!!
أسطورتنا في زماننا الحديث والتي مرّت ذكراها الأسبوع المنصرم، سجّل اسمه في صفحات التأريخ بأحرف من ذهبٍ ونورٍ وبسالةٍ وعزّةٍ وكبرياء وشموخ، ليجعل من موته حياةً ومناراً يهتدي بضوئه السائرون على خطاه في مسيرة حزبٍ كللتها اثنان وتسعون نجمة متلألئة في سماوات المجد والعنفوان والنضال !!
انه سلام عادل، حين تتأمل هذا الاسم ـ الحركي طبعاً ـ، تجده قد فُصِّلَ على مقياس حياة رجلٍ استحقَّ أن يتسمى به، ليظلّ على مدى التاريخ يذكره الناس متناسين اسمه الحقيقي ( حسين أحمد الرضيّ الموسوي )،لأنه حمل مشعل الحريّة والسلام والعدالة، وظلّ يدور به في كل دروب الوطن ناقشاً شعار ( وطن حر وشعب سعيد ) على شغاف قلبه، مترنّماً بأغنية البطولة والاندكاك مع كل ذرّات تراب وطنه لينتصب بيرقاً شامخاً يسمو في سماء المجد والخلود!! في العام الماضي، حين احتفل شيوعيو النجف ورفاقهم من أبناء الوطن جميعاً، بذكرى عروجه إلى السماء، طلبوا منّي أن أكون عريف احتفالهم، وأنا أدخل قاعة نقابة معلمي النجف الاشرف الذي أقيم المهرجان فيها شاهدت معرضاً يضمّ بعض صوره، استوقفتني صورةٌ له حينما كان صبيّا يلبس الكشيدة أو العمامة السوداء لم أتبيّن ملامحها جيداً لقدم الصورة وما حصل بعد تكبير حجمها، بقيت متسمّراً أمامها متأمّلاً عينيه فقط، إنهما عينا صقرٌ تفتح للحياة فضاءاتِ رؤيا خرافيّة المدى، قلت لصديقي الشاعر جلال عباس الذي كان واقفاً إلى جانبي :ــ انظر في عينيه وهو صبي، وتأملهما جيداً ستُبصر شعاعاً من رجولة وكبرياء ونظرة نحو أفق أسمى وأكبر من عدسة الكاميرا آنذاك، أجابني :ــ نعم ، وأنا قد شعرت بذلك أيضاً !!
هنا يتّضح كلياً أنه وُلِدَ ليكون رجلاً أسطورياً، ارتسمت مسيرة حياته على هذه الشاكلة، وحينما اغتالته يد الخسّة والحقد والنذالة عام 1963 في انقلابهم الأسود، كانت خسارة الوطن والناس كبيرة، لكنّه لقّن الفاشست القتلة حينها درساً في صموده وبسالته وصلابته بوجه كل أساليب تعذيبهم البشعة، ليظلَّ جبلاً شامخاً من الصمود، ومثلما اختتم مخرج فيلم طروادة أحداث فيلمه بعبارة يقولها أحد الأبطال الذين ظلّوا أحياء بعد موت أخيل وهيكتور :ـ أنا أزداد شرفاً وكبرياء كلّما تذكّرت أنني قد عشت في زمن الأساطير، زمن أخيل وهكتور، سنظلّ نردد دائماً وفي كل وقت :ــ الشيوعيون يزدادون كبرياءً ونضالاً وخلوداً لأنّهم على خطى الأسطورة الخالدة سلام عادل ورفاقه الذين زرعوا أرواحهم مشاعل نور وهداية في طريق النضال!!