"إننا ندرك الصلة الحتمية بين الحروب والنضال الطبقي، ونعرف أن القضاء على الحروب مستحيل دون القضاء على الطبقات وبناء الاشتراكية."
هذا ما كتبه لينين، وبقي يحتفظ بصحته لأكثر من 110 سنوات. فالحرب لم تخدم يوماً مصالح الشعوب، بل غالباً ما أدت إلى مزيد من تدمير البنية الاقتصادية والاجتماعية، ونشر الفوضى، وتصعيد النزعات المتطرفة، وتراجع الحقوق الديمقراطية. كما كانت دوماً صنوّاً للرأسمالية وسوطاً بيدها لإبقاء العالم أحادي القطب، وإلغاء دور الدولة الوطنية، وتحقيق الهيمنة عليها، ولمضاعفة أرباح برامج التسليح وإنتاج الذخائر، واستثمار ذلك في التخفيف الظاهري من آثار أزماتها الدورية كالكساد وتفاقم المديونية، دون أن تجد تناقضاً بين ما تدعيه من قيم وأخلاقيات "حضارية"، وبين سقوط ملايين الضحايا وتدمير البنى التحتية وتخريب البيئة وتجويع دول الأطراف ونهب ثرواتها وتركها أسيرة صراعات قومية ودينية.
ولهذا تماماً، تبوأت مهمة النضال ضد مشعلي الحروب ومن أجل تجنبها صدارة مهام اليسار، الذي تبنى دوماً مبدأ التضامن بين شعوب العالم والحوار لتسوية النزاعات، ودأب على مواجهة سياسات الهيمنة والتدخل العسكري الخارجي، دون أن يتخلى عن استقلالية موقفه، في الجمع بين رفض الحرب وبين الدفاع عن حق الشعوب في الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.
ولهذا تماماً، رفض حزبنا الشيوعي العراقي وكل اليساريين الغزو الأمريكي لبلادنا، والذي تمر هذه الأيام ذكراه الثالثة والعشرون، وحذر من مخاطره على استقلالنا وسيادتنا الوطنية ومستوى تمتعنا بالديمقراطية، وهو موقف أثبتت التطورات اللاحقة صحته، حيث يغرق العراق اليوم في لجة أزمة شاملة، ويتخبط في عملية سياسية مشوهة، ذات مؤسسات خربة، تحمي الفساد، وتكرّس السلاح المنفلت، وتتبع سياسات اقتصادية أضعفت الإنتاج الوطني والقطاع الخاص، وأفقرت الملايين، وعمّقت الفرز الطبقي والاجتماعي، لحد غمر فيه القنوط حتى أولئك الذين كانوا مؤمنين بأن للدبابات الأمريكية "طعم الحرية".
واليوم، حين يتجسد الترابط بين الإمبريالية والحرب في سياسات إدارة ترامب، الرجعية والاستبدادية، ترفض أغلب أطياف اليسار وتفضح كل الذرائع المستخدمة لشن الحروب العدوانية، ومنها الادعاءات بضرورة إنهاء القدرات النووية، إذ ترى أن واشنطن وحليفاتها لم يعد يكفيها عدم الاهتمام بالحد من سباق التسلح النووي، بل هي من يعمد لتأجيجه. ألم يصف الرئيس الفرنسي الخمسين سنة القادمة بأنها عصر للأسلحة النووية؟ ألم يتساهل البيت الأبيض مع الطموحات النووية لبولندا وكوريا الجنوبية؟ ألم يتراجع عن أي استراتيجية طويلة الأمد لفرض رقابة دولية مستقرة على القدرات النووية؟ ألم يتخلَّ عن سياسات منع ظهور دول جديدة تمتلك أسلحة نووية؟ ألم تدفع "دبلوماسية القوة" التي تنتهجها واشنطن بالكثيرين، بما فيهم بعض أقرب حلفائها، للبحث عن ردع نووي ذاتي؟
ويفضح اليسار أيضاً أكذوبة شن الحروب من أجل "مساعدة" الشعوب لبناء نظام ديمقراطي، فذاكرة التاريخ لم تحفظ لنا أي مثال على "حسن نوايا" هؤلاء "الأخيار"، مقابل عشرات الأمثلة التي حفظتها على ما أدت إليه تدخلات واشنطن وحلفائها من كوارث، كتفكيك الدول، وإشعال حروب أهلية ومحارق فيها، لا يزال بعضها مشتعلاً حتى الآن، وإعادة بناء الأمن الإقليمي على قاعدة الحماية العسكرية الأمريكية، وهيمنة شركاتها على الاقتصاد، والتحكم في آليات إنتاج الطاقة وتصديرها، وتكييف اقتصاديات دول الأطراف بما يتوافق مع مصالح العولمة المتوحشة.
في هذه اللحظة الفارقة، هل ثمة كوة ضوء تبدد عتمة البرابرة؟
يروي لنا هذا التاريخ عشرات الأمثلة عن انتصارات الشعوب في الصراع، لاسيما حين توحدت قوى العدالة والحرية فيها، وتبنت الدفاع عن السلام، لأنه ببساطة سر قوة البشرية.