اخر الاخبار

هل سنشهد انطفاء نجمٍ أحمرَ جديدٍ في سماواتنا؟ باغتني صاحبي بهذا السؤال ونحن نتحدث عن تهديدات ترامب الوقحة ضد كوبا. انتشر قلقه، الذي لم يفلح في إخفائه، في المكان، وأوقعني في مشاعر ملتبسة ومتضاربة؛ أنا الذي طالما حلمت بأن تفاؤل الإرادة قد يبدد تشاؤم العقل.

فالحصار المدمر المفروض على كوبا منذ أكثر من ستين عامًا، وإقصاؤها عن أنظمة التجارة العالمية جراء تحكم واشنطن بالشبكات المصرفية الدولية، وحرمانها من الأموال والإمدادات، وسلسلة العقوبات القاسية التي تفرضها واشنطن كل يوم على هذه البلاد، ومنها 22 إجراءً أصدرها ترامب مؤخرًا، وتصنيفها دولةً راعيةً للإرهاب، وتعريضها لعشرات العمليات التخريبية كان آخرها حرق مستودعات البنزين، ومنعها من الحصول على أبسط الإمدادات الإنسانية ولا سيما في مجال الرعاية الصحية والتعليم، وتعريضها لعشرات المحاولات الانقلابية، من أبرزها عملية خليج الخنازير ومونغوس، وتدبير المخابرات الأمريكية لأكثر من 680 محاولة لاغتيال قائدها الراحل فيديل كاسترو؛ لم يسبب لها خسارةً تجاوزت 130 مليار دولار فحسب، بل أدى أيضًا إلى خفض الأجور النقدية والحقيقية، وخلق أكبر قدر ممكن من اليأس الاقتصادي، تمهيداً لتقوّيض الثورة وإجبار الكوبيين على التخلي عن حقهم في تقرير المصير.

لكن هافانا أنعشت، كعادتها، تفاؤل الإرادة حين بقيت، رغم هذه الصعاب، مدينةً للحب والحلم، ولم تنجح واشنطن في فرض عتمة العبودية عليها، محققةً منجزات لا حصر لها في التعليم والبحث العلمي والقضاء على الأمية، وفي توفير الرعاية الصحية المجانية للجميع وصناعة الإمدادات الطبية واللقاحات والأدوية وغيرها مما تمنعه واشنطن عنها، واستخدمته محليًا وقدمته مجانًا للشعوب؛ لا لتصدير أفكار محددة إليها وفرض سياساتها عليها، بل لتعزيز صمودها ضد الوحش الإمبريالي الذي يسعى لسلب إرادتها الوطنية ونهب ثرواتها. كما نجحت الثورة في توفير الحد الممكن من التغذية والسكن والملبس للناس، حتى لا ترى في مدن الجزيرة كوبيًا حافي القدمين، كما هو حال واشنطن التي تعج شوارعها بمئات الجياع والحفاة.

لكن ما الذي مكّن جزيرة الحرية من الصمود؟

ترينا قراءة عاجلة للعقود الثلاثة الماضية، التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفيتي وتصاعد رهان المغفلين على قرب انهيار التجربة الكوبية، أن التجديد الذي جرى في مفاصل الحزب والدولة كان حقيقيًا ومتزنًا، ومستلهِمًا دروس التجارب التي هدّت الدار بذريعة ترميمها. فتفاعلًا مع السؤال حول: (كيف ننقذ الثورة؟ وماذا نعني بها؟) جرت ممارسات جريئة للنقد الذاتي إلى جانب انتقادات شديدة وموضوعية للتجارب الاشتراكية السابقة، وتم تبني استنتاج يقضي بأن الحزب، إذا ما طُهِّرت صفوفه من النفعيين والبيروقراطيين والخاملين، يمكن أن يضمن نظامًا أكثر شفافية ومساءلة، وأن يبدد الضغوط التي أرادت بهافانا أن تسير مع موجة البحث عن رضا ريغان حينها. وتم التأكيد على مفهوم الوطن، والوطن الأم، والأمة، وحماية الإنجازات الاجتماعية التي ركزت بشكل خاص على الصحة والتعليم وتوفير فرص العمل والرعاية الاجتماعية، دون إغفال الإصلاحات في قطاعات الإنتاج بما ينعش الاقتصاد. كما أظهر الاستنتاج بجلاء كيف فشلت واشنطن في استخدام الكنيسة ضد النظام حين تبنّت الأخيرة الدفاع عن قيم التضامن والالتزام والعمل الجماعي التي تتبناها الثورة، وكيف أُلغيت بعض المؤسسات التقليدية التي تقادمت، وأُبقي على ما تعايش منها مع التجديد، وكيف جرى رفد المنظمات الجماهيرية، التي لعبت دورًا مهمًا في مسار التجربة، بالحيوية وتجديدها في الشكل والمضمون والخطاب والعضوية.

مرة أخرى انتصر تفاؤل الإرادة، وتفتحت في الروح زهور الثقة بأن إرادة البشر عصيّة على أن تُقهَر.