اخر الاخبار

جرى الحديث ويجري عن الازمة الشاملة التي تترك تداعياتها في مختلف مناحي الحياة في بلادنا، فيما تتركز السلطة بيد اقلية تهيمن على المال والسلاح والقرار، مقابل اغلبية مهمشة تكافح من اجل إدامة حياتها.

وفي الاثناء تضعف باستمرار الركائز المادية لدولة قوية ومتمكنة، وتكبر الهوة بين المواطنين ومؤسسات الدولة خاصة، في أجواء انعدام الشفافية وإبقاء المواطنين بعيدا عن هموم بلدهم وعن قضايا كبيرة تهمه وأبناءه. ومن ذلك مؤخرا، على سبيل المثال، تقديم الخرائط البحرية واعتمادها لدى الأمم المتحدة، من دون مقدمات للمواطنين، وعدم الحديث عنها الا بعد "الضجة " التي جاءت من خارج الحدود. ومثال ذلك أيضا العقود التي ابرمت أخيرا مع الشركات النفطية الامريكية، وأثارت تساؤلات مشروعة ما زالت تبحث عن إجابات، فيما يتعلق بطبيعة العقود ومددها الزمنية ونسب الأرباح وآلية تقاسمها وغير ذلك.

وكل هذا يجري في ظل حكومة تصريف اعمال محدودة الصلاحيات ، وحالة انسداد

 سياسي، وعجز القوى المتنفذة عن إيجاد مخارج لأزمة اختيار رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء. وهذه القوى لم تظهرعجزها وحسب، فهي أيضا على قدر كبير من اللامسؤولية تجاه ما يمر به البلد، وما يجري في المنطقة من تطورات خطرة، والعراق ليس بعيدا عن تداعياتها.

نحن امام انسداد وعجز، وهذا يفضي الى انغلاقات كبرى، ويدفع البلاد الى حافات خطرة وعواقب وخيمة. لذا فليس ترفا ولا بطرا الحديث عن أهمية وضرورة وقف هذا المنزلق وما يحمله من احتمالات مفتوحة بما فيها الاسوأ، عبر مشروع وطني شامل لبلورة وبناء البديل لمنظومة المحاصصة وما قادت اليه حتى الان، والقادم لا يبشر بخير مع استمرار هذا النهج في الحكم والإدارة.

ما يحصل في بلدنا ليس أزمات منفردة في هذا المجال او ذاك، بل هي ازمة بنيوية شاملة، لذا فان مقاربات الحلول يفترض ان تكون بمستوى هذا التحدي، دون أهمال أهمية تحقيق إنجازات تراكمية هنا وهناك، خاصةً ما يخفف من تبعات الازمة بالنسبة للمواطنين، وخاصة الفئات الواسعة المتضررة منهم، في وقت تقدم الحكومة على إجراءات متواترة تلقي تبعات الفشل على عاتق الناس.

ان انضاج البديل اصبح ضرورة تاريخية تفرضها أزمات متراكمة، وثيقة الصلة بجوهر وماهية المنظومة الحاكمة وسياساتها، التي تشكلت وبُنيت بعد ٢٠٠٣ على أساس المحاصصة الطائفية والاثنية، وبرر أصحابها ذلك بانها لإدارة التنوع في المجتمع، ولكنها غدت في الواقع اطارا لتقاسم السلطة والنفوذ والموارد، واضعفت هيبة الدولة وسلطتها، وابتعدت عن المواطنة الجامعة. لذا فالمطلوب الآن وبالحاح بديل يتجاوز ذلك، ويعيد الاعتبار للمواطنة ويستطيع تخطي الاختلالات البنيوية العميقة.

وهناك من دون شك تحديات عديدة تواجه هذه العملية، وهناك حراك مضاد كبير ومتمكن يسعى الى اجهاض أي محاولة جادة في المهد، حتى لو كانت بسيطة مثل مشروع تنويري يسعى لاشاعة الثقافة والقراءة، كما حصل في الناصرية.

وان انضاج البديل برأينا يفترض عملا جادا ودؤوبا على مستوى الوعي، لترسيخ قيم المواطنة وعلوية القانون والمساءلة والشفافية. وهنا يأتي دور القوى والشخصيات والنخب الثقافية ومنظمات المجتمع المدني في تحرير الفضاء الوطني العام من قيود التهميش والاقصاء والخطابات المضللة، ومواصلة الضغط لانتزاع الحريات وتكبير الثقة بالقدرة على تحقيق ذلك ومراكمته. ولن يحصل تقدم ذو شان في هذا السياق من دون وعي جماهيري شعبي واسع، يدرك ان دوام الحال من المحال.

ويقينا ان بلورة البديل ممكنة رغم التحديات الجمة، ما يوجب توفر إرادة وقناعة، ووعي لأهمية المشروع الوطني البديل، بما يفتح الآفاق لتغييرات عميقة في موازين القوى، لصالح المتطلعين والعاملين لتحقيق التغيير الحقيقي المنشود.