اخر الاخبار

جاء الاهتمام الكبير الذي أثاره تراجع حظوظ اليسار وحلفائه المدنيين والديمقراطيين في انتخابات الخريف الماضي ليؤكد سعة الآمال التي يعلّقها الناس على هذه القوى، وعمق ثقتهم بقدرتها على إنقاذهم من الخراب الذي يعيشونه، وإنقاذ بلادهم من أزماتها المستعصية.

ورغم تباين أشكال هذا الاهتمام بين من حمّل العوامل الموضوعية وحدها، أو العامل الذاتي بمفرده، المسؤولية عما جرى، وبين من شخّص المشكلة في هذا وذاك، فإن الدرس الأبرز الذي ينبغي، في اعتقادي، استخلاصه يتعلق بمخاطر تلكؤ اليسار عن بناء سياجه الجماهيري، لا ليقيه لدغات وأنياب الخصم الطبقي فحسب، بل ليمتد جسراً بينه وبين قاعدته الاجتماعية التي تتسع لتشمل الملايين من ضحايا البرجوازية الطفيلية والبيروقراطية الحاكمة، بدءاً من الكادحين والمهمشين، ومروراً بشغيلة اليد والفكر، وانتهاءً بالطبقة الوسطى والبرجوازية الوطنية المنتجة.

وإذا كان هذا الفعل السياسي لا يولد ذاتاً مكتملة، بل يُبنى تدريجياً من خلال ربط أهداف ومطالب متفرقة، وجراء تراكم كمي وتغيّرات نوعية متتالية، فإنه يقتضي في الظرف الملموس تنفيذاً مبدعاً لمجموعة من السياسات، تأتي في مقدمتها مواجهة التحدي البنيوي المتمثل في هيمنة الاستقطاب الطائفي والقومي، الذي أفضى إلى إعادة تشكيل الهوية السياسية والاجتماعية على أسس ما قبل الدولة، وأعاق تبلور وعي طبقي جامع، وذلك من خلال تبنّي مشروع هيمنة مضاد يعيد تعريف المصلحة العامة في مواجهة النخبة المهيمنة، وينقل الصراع من انقسامات أفقية بين مكونات المجتمع إلى انقسام عمودي بين الشعب، بوصفه كتلة اجتماعية متضررة من أنماط الريع والفساد، وبين الأوليغارشية.

وإلى جانب دراسة السلوك السياسي للناس، خاصة ساعة الشعور بالتهديد، ينبغي ألا ينكر المشروع الاستقطاب الطائفي والقومي، ولا أن يكتفي بمهاجمته بصورة مباشرة، بل أن يعمد إلى تفكيك دوافعه الاجتماعية، كالفقر وانعدام الأمن وضعف الدولة والتمييز، وأن يكشف بجلاء عن العلاقة بين الخلاص من التفاوت الطبقي والبطالة وتدني مستوى الخدمات وغياب الضمان الاجتماعي، وبين إعلاء شأن الهوية الوطنية الجامعة التي تنمّي الوعي وتوفر ثقة الشعب بكتلة صلبة عابرة للهويات، قادرة على صيانة الدولة الوطنية الديمقراطية ومنع تفكيكها وإلحاقها بمراكز الرأسمال المعولم من جهة، وعلى تبنّي وتحقيق مجتمع الحرية والعدالة الاجتماعية من جهة أخرى.

ورغم المنافع التي جنتها الأوليغارشية من تراكم الإخفاقات وضعف برامج المواجهة، ومن تراجع دور المجتمع المدني وهيمنة الزبائنية وتدني ثقة الناس بإمكان الخلاص، فإن تحويل الكفاح من أجل المطالب المعيشية اليومية إلى نقاط ارتكاز سيُشعر الأغلبية بأن حقوقها مصانة، وخدماتها متوفرة، وفرصها متكافئة، معيداً إليها الثقة السياسية، ومبدداً حاجتها إلى الاحتماء بالهوية الفرعية. وبالتالي يصبح ممكناً فضح خطاب المتحاصصين، سواء في اختزال النشاط السياسي بتمثيل شكلي "للمكوّن"، أو في استغلال تلك الهويات للتعتيم على المشكلات وعلى فشل المعالجات.

ويكتسب النشاط لإعادة بناء النقابات والروابط المهنية، ونقل دورها من موقع الدفاع السلبي إلى موقع المبادرة والمقاومة الجريئة، والتحديد الملموس لمطالب الناس وحاجاتهم اليومية، أهمية استثنائية، خاصة حين يتمكن هذا النشاط من بناء قاعدة شعبية واسعة ترفد قوى التغيير بالمزيد من الطاقات. وفي بلاد يختنق شبابها بالبطالة ويعجزون عن تأمين مستقبلهم، ويحاصر التعليمُ الخاص الباهظ الثمن، والمتخلف في أغلبه علمياً وتربوياً، طلبتَها، وتتعرض نساؤها لتمييز شديد وعنف أسري "مُشرعَن"، ينبغي أن تكون لليسار خطط تفصيلية لتفعيل المنظمات المهنية لهذه الشرائح الواسعة، لاسيما في الأحياء الفقيرة والمناطق المهمشة، وأن تتضمن هذه الخطط مبادرات خدمية وتوعوية متشعبة ومتنامية باطراد، ومتسقة مع متغيرات الواقع.