اخر الاخبار

صاغ الماركسيون، منذ أكثر من قرن، مصطلح الجبهة الشعبية استجابةً لظروف الصراع الطبقي والسياسي في تلك المرحلة التاريخية. فما هي الجبهة الشعبية؟

إنها تكتيك ثوري يهدف إلى توسيع القاعدة الاجتماعية للمكافحين من أجل الحرية والعدالة، وتعزيز إمكانياتهم في إدارة الصراع، عبر تجميع قوى التقدم والنقابات والحركات الاجتماعية بتحالف واسع يخدم الهدف الاستراتيجي الأكبر، المتمثل بالإطاحة بالرأسمالية أو تحجيم شرورها، وبما لا يؤثر سلبًا في الهوية الطبقية لليسار ولا في نفوذه السياسي داخل المجتمع. وإذا كانت ثلاثينيات القرن الماضي قد شهدت أول نجاح لهذا التكتيك حين أُسقطت الفاشية والنازية، فإن صعود الليبرالية الجديدة وربيبها اليمين الرجعي الاستبدادي دفع بالكثير من الماركسيين إلى إعادة مناقشة هذا التكتيك والسعي إلى عصرنته وتطويره.

وفي بلادنا، التي خضعت منذ عقدين لهيمنة رأسمالية ريعية مشوّهة، سيطرت فيها الأوليغارشية على الريع وآليات توزيعه، وفرضت الاستبداد بقوة القمع والأيديولوجيا والزبائنية، مسببةً اشتداد الفقر والتفاوت الطبقي وارتفاع معدلات البطالة والأمية والتمييز ضد النساء، إلى جانب تفريطها بالحقوق وبالسيادة الوطنية، باتت مهمة التغيير الشامل والخلاص من منظومة المحاصصة مطمحًا لأغلبية العراقيين.

ولأن التاريخ لا يُصنع بالعفوية، وإنما بتنمية الوعي وبالتخطيط العلمي المُنفَّذ بإبداع، احتلّت مهمة توحيد قوى التغيير الموقع الأرأس في برامج اليسار وقلبه النابض، الحزب الشيوعي العراقي، الذي تبنّى العمل لإقامة جبهة شعبية ترتضيها هذه الأغلبية قائدًا لنضالها وحراكها الاحتجاجي وانتفاضاتها السلمية.

 ولكي تصمد هذه الجبهة في المواجهة مع القمع، وتتكسر على صلابتها محاولات الاحتواء والتدجين، لابد أن تتمسك بالمواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات، وبالتداول السلمي للسلطة، وبالتنوع في إطار الهوية الجامعة، وبرفض أي وصاية خارجية، وبإصلاح الحياة الحزبية والمنظومة الانتخابية، وباستقلال القضاء. كما لابد لها أن تتبنى بوضوح سبل الانتقال من اقتصاد ريعي لاقتصاد منتج، وأن تعيد توزيع الثروات بما يؤمّن عدالة اجتماعية تشمل العمل والتعليم والسكن والصحة والخدمات الأساسية، وتمنع استخدام القيم الروحية أو العشيرة أو السلاح في السياسة، وتُجرِّم أي انتهاك لحرية التعبير والتنظيم، وتُنهي الميليشيات السياسية، وتبني جيشًا وطنيًا مهنيًا.

ولكي تحقق هذه الجبهة أهدافها، يجب أن تخلو من أي أتباع ـ علنيين أو سريين ـ للأوليغارشية، وأن تجتمع قواها على برنامج لإسقاط منظومة المحاصصة، وبالتعاون النشط مع النقابات والاتحادات المهنية والمبدعين والحركات الشعبية، وأن تتسم العلاقات بين أطرافها بروح تضامنية وديمقراطية، وأن يبدأ بناؤها لا في مؤتمرات نخبوية وبيانات سياسية تندلق في المناسبات، وتتصدرها أسماء تفتقد إلى قواعد جماهيرية، وتفرض مساواة شكلية بين قوى غير متكافئة، وتختزل النشاط بالكسب الانتخابي، وتشترط تعليق الصراع الطبقي لحماية التحالف؛ بل من القاعدة إلى القمة، عبر تشكيل مجالس المحلات والقرى والنواحي، ولجان الأحياء والجامعات وأماكن العمل، والنوادي الثقافية والاجتماعية.

كما يتطلب ذلك من قواها تحديد الخصوم، المتمثلين اليوم بالتحالف البرجوازي البيروقراطي المرتكز على نهب الريع وسوط الدولة ومافيات الفساد، ومواجهة الشعبوية، وتبنّي مشروع ثقافي-اجتماعي يفكك الثقافة الطائفية-العرقية المهيمنة، وينقل الفعل من السياسة اليومية والهموم الانتخابية المجردة إلى نفوذ جماهيري واسع وعميق، ويكون أداة حاسمة في معركة إعادة بناء دولة المواطنة المطهَّرة من الريع والفساد؛ مشروعًا يُشخّص هموم الناس ويقنعهم بأشكال معالجتها، ويحوّل الحضور الأخلاقي والنضالي إلى صوت ناقد، ويعتمد برامج تنوير ودعاية لتحديث المجتمع عبر محو الأمية، الأبجدية والثقافية، والتعليم، وتأمين تناغم ثريّ بين الهوية الوطنية والهويات الفرعية، وصولًا إلى خلق هيمنة ثقافية فاعلة للجبهة على المجتمع.