اخر الاخبار

وأنا أختِمُ معه حواري عن البنية الطبقية للطغمة المهيمنة، أكدتُ لصاحبي أن لشعبنا تقاليدَ تقبس جمرات ثوريتها من تراثٍ عريق، منذ الملك السومري أوروكاجينا الذي ألزم أتباعه بألّا يأخذوا شيئًا بغير حق، وألّا يستعبدوا الآخرين، وصولًا إلى الإمام علي الذي ألزم العلماء بأن لا يُقِرّوا على كِظّةِ ظالمٍ ولا سَغَبِ مظلوم، وانتهاءً بمقولة القاضي المعتزلي إن الرضا بالظلم ظلم.

ولذا، كان بديهيًا أن نرى كيف يندلع من تلك الجمرات لهيبُ انتفاضاتٍ متواصلة، تُذكيها اليوم ما تعيشه الشغيلة من معاناة قاسية، ولّدتها فوضى الخصخصة، والتدهور السريع في الإنتاج الصناعي، وتوسّع العمل غير المأجور وغير المنظّم، وارتفاع معدلات البطالة، وضعف التنظيمات النقابية. ويوقظها تدهور أوضاع الفلاحين جرّاء الجفاف، والمنافسة غير العادلة مع المحاصيل المستوردة، وارتفاع تكاليف البذور والأسمدة والوقود، وغياب البنية التحتية، وتأخّر دفع المستحقات، وتراجع أشكال الدعم. كما يزيد تلك الجمرات اشتعالًا فقدانُ الطبقة الوسطى لاستقلاليتها، وتراجع دورها التنويري والنقدي، وانزلاقُ أغلبيتها نحو الفقر والاندماج بصفوف الفئات المهمّشة، لا سيما بعد أن غابت مكافأة المنتجين وتآكلت الحِرف وارتفعت بطالة الكفاءات وانسحب المهنيون من السوق وفقدت الشهادات دورها في الإرتقاء، مسببة إحباطاً شديداً لدى المتعلمين.

وما يزيد الصراع لهيبًا هذا التزايدُ الكبير في أعداد المهمشين، الذين وجدوا أنفسهم في أوضاعٍ مزرية بلا دخلٍ كافٍ، يعيشون في العشوائيات ويعتمدون على الإعانات، وذلك نتيجة انهيار القطاعات الإنتاجية التقليدية، ورفض النمط الرأسمالي الريعي استيعاب القادمين من هذه القطاعات من جهة، والنمو السكاني السريع (2.5 في المائة سنويًا) الذي يدفع بنحو 700 إلى 900 ألف شاب إلى سوق عمل عاجز عن توفير الوظائف، في ظل اقتصاد ريعي غير منتج، من جهة أخرى. كما لعب تغيّر أنماط الاستهلاك، بشكلٍ لا يتناسب مع الوضع الطبقي الحقيقي (إذ باتت العائلات تنفق 70 في المائة من دخلها على الاستهلاك)، وفي ظل تسارع التضخم بمعدلات تفوق نمو الدخل الحقيقي، دورًا خطيرًا في تدهور أوضاع الشباب وتعميق الصعوبات المعيشية.

إن تهميشَ المنظومة الحاكمة لكل هذه القطاعات من العراقيين، سياسيًا، بحرمان نصف الشعب الذي قاطع الانتخابات من تمثيلٍ حقيقي في السلطة، واقتصاديًا، بعدم استفادة ثلث الشعب نهائيًا من الريع، وحصول ثلثه الآخر على حصةٍ ضئيلة، واجتماعيًا، بتهميش المرأة وإستعبادهاعن سوق العمل (تمثل النساء 10 في المائة من القوى العاملة)، وشرعنة استعبادها، وإقصاء الأقليات، لم يُبقِ جمرةَ الحراك متّقدة فحسب، بل أفضى لإضعاف الدولة، وغياب التنمية، وتغوّل الفساد.

وكان صاحبي محقًا حين تساءل عن سرّ استمرار هيمنة هذه المنظومة رغم نفور الناس منها، ومن سياسة تتحكم بها الديموغرافيا الطائفية والعرقية، وعزوفهم عن انتخابات تقوم على الهوية الفرعية وتخلو من التنافس بين البرامج؟

والسبب الأبرز، في ظني، يكمن في أن الأوليغارشية المهيمنة على فائض الريع تمكّنت من بناء شبكات الزبائنية السياسية حين ربطت بين الوصول إلى الثروة والانتماء الحزبي، واستخدمت ذلك إلى جانب الطائفية كأيديولوجيا، والعشيرة كأداةَ ضبطٍ اجتماعي، والقمع المتقطّع والمستتر كسوطَ ترهيب، واستراتيجية الاحتواء كأداةً لتخريب وحدة المضطهدين، في تحقيق قبولٍ شعبي نسبي، أي هيمنة مستقرة رغم أزمة الدولة، على حد تعبير غرامشي. ويمثل تذبذب ذلك القبول وتراجعه واقتصاره على المنعطفات تأكيدًا على أن القمع والزبائنية والطائفية والأثنية لا يمكن أن تُلغي الصراع الطبقي، حتى لو تمكّنت من إخفائه وتشويهه، وأن الرأسمالية الريعية عصيّة على الإصلاح، الأمر الذي يُبقي أفق الحراك ضد منظومتها مشرقًا.