ما أكثر ما قلنا ان نهج المحاصصة مولّد للازمات ، الأمر الذي يؤكده باستمرار المزيد من المعطيات والوقائع. فهذا النهج قام على تقويض فكرة الدولة، وحوّل السلطة من أداة لإدارة البلد وشؤونه وخدمة المجتمع، الى غنيمة تتقاسمها قوى متنفذة، وفقا لتوازنات طائفية وإثنية ومصالح خاصة ضيقة .
وقد غدا نهج منظومة المحاصصة والفساد بنية متداخلة ومتشابكة تعيد انتاج الفشل، وتؤدي الى تراكم الازمات المستعصية على الحل ، فيما ظلت تكرس الانقسامات، وتقود الى الاحتقان الاجتماعي، وتفرغ العملية السياسية من مضمونها الديمقراطي الحقيقي .
فالمحاصصة بتوزيعها المواقع في الدولة ومؤسساتها على نحو لا علاقة له بالكفاءة والنزاهة والقدرة على الإنجاز، ووفقا للمشاريع والبرامج ، بل على أسس الهويات الفرعية والولاءات السياسية، انما تتنكر لمبدأ المواطنة، وتعيد تعريف المواطن لتجعله زبونا او تابعا لجهات متنفذة معينة، تسعى الى حصتها في الكعكة والموارد والامتيازات .
من هنا يمكن الحديث عن أزمة بنيوية في الدولة ومؤسساتها، والتي غدت عاجزة عن القيام بواجباتها إزاء المواطنين. فهي هشّة ومشلولة، تخضع للتوازنات والتفاهمات وقوة المال والسلاح، وليس لحاجة البلد والشعب. لذا تفتقد بوصلة التوجه الحقيقي لمعالجة مشاكل البلد، الآخذة بالاتساع رغم الحديث والوعود بغير ذلك .
والفساد هو الوجه الآخر للمحاصصة ونتاجها الطبيعي، حين تقسم الدولة الى مناطق نفوذ تحت عناوين " مصالح المكونات"، التي ترسخت كمصالح مجاميع وقوى وافراد مهيمنين على القرار، وعلى إعادة توزيع الريع وتنمية مجاميع زبائنية. ولاغرابة في ذلك عندما يتحول "حاميها" الى "حراميها" ، وتصبح الوزارات والمؤسسات الحكومية اقطاعيات لهذه الجهة او تلك، تستغلها للتمويل وكسب الولاءات وشراء "وعاظ السلاطين". لذا لا يُنتظر ان تنطلق حملات وطنية عامة، غايتها التصدي بحزم لجذور ظاهرة الفساد المستشري، بل يُكتفى بالخفيف منها دون المساس بـ "الدولة العميقة". والامثلة كثيرة والفضائح تزكم الانوف .
ومن جانب آخر يشكل نهج منظومة المحاصصة عاملا مباشرا في تعطيل التنمية، وتبديد فرص تاريخية اتيحت لبلدنا، وكان يمكن ان تقود الى بناء اقتصاد متنوع وقوي ومنتج، وبيئة تحتية متطورة، ونظام تعليمي وصحي يصل على الأقل الى مستوى ما كان عندنا لعقود خلت، وسكن لائق ومريح، ونقل عام يفتقده البلد، وخدمات عامة من كهرباء وماء صالح للشرب، وغيرها من المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية. لكن الأمور سارت باتجاه العكس، حيث الهدر الواسع للمال العام، والمتلكئ او الوهمي من المشاريع، وتردي الخدمات، وارتفاع معدلات البطالة والفقر.
ومرة أخرى لا غرابة في ذلك، فالموارد تبدد وتهدر ما دام هذا النهج قائما، وما دام الهم الأول للمتنفذين هو البقاء في السلطة رغم كل شيء. ولا ادل من ذلك من الحديث اليوم عن الصعوبات، بعد ان كان يطغى الحديث عن الاستقرار و"الفرصة الفريدة"، والرخاء الاقتصادي .
لقد عمق هذا النهج المدمر التشظي المجتمعي، واضعف الهوية الوطنية الجامعة، حيث استُحضرت الهويات الفرعية والمناطقية والعشائرية، مقرونة بخطابات طائفية تغذي النعرات والخوف والشك المتبادل. وأدى هذا كله الى فقدان إمكانية بناء مشروع وطني مشترك، وترسيخ الوحدة الوطنية .
ان استمرار منظومة المحاصصة والفساد يعني أزمات جديدة، وتدوير ما هو قائم منها، وادامة ضياع الثقة بين المواطن والدولة. كما يعني بقاء القرار الوطني هشا وعرضة للتجاذبات الداخلية والتدخلات الخارجية ، في ظل دولة عاجزة عن حماية سيادة الوطن ومصالح الشعب .
لذا تصبح معارضة منظومة المحاصصة ونهجها ضرورة، يمليها كل ما جرت الاشارة اليه أعلاه وغيره، بالاستناد الى مشروع وطني متكامل واصطفاف شعبي وسياسي واسع، مشروع بديل يتمثل في السير على طريق بناء دولة المواطنة والقانون والمؤسسات والديمقراطية الحقة .
ان الخلاص من المحاصصة والفساد هو استرجاعٌ للوطن ولهيبة الدولة والمواطنة الجامعة، وهو فتحٌ لآفاق الحاضر والمستقبل الواعدين .