اخر الاخبار

بعد أيام قلائل يحل العام الجديد ٢٠٢٦، وكما في رأس كل عام تتجدد التمنيات ليس لأن الزمن تغير، ولكن تطلعا الى بارقة امل في رؤية بصيص ضوء في نهاية النفق، الذي كان طويلا وثقيلا في العام ٢٠٢٥.

وعامنا الجديد في العراق لم يسبقه تصفير للمشاكل وانفراج في الهموم وتلبية للحد الأدنى من الطموحات، ليعيش المواطن كانسان محترم مكرم يتمتع بخيرات بلاده، بل ليتحمل في العام الجديد اثقالا تراكمت على مر السنين العجاف الماضية، سنين من الآمال المؤجلة.

انه تراكم اثقلته الازمات على اختلاف أنواعها واشكالها، والتي ظلت تبحث عن حلول غائبة، تضخمت جوانب عدة منها حتى استطالت القائمة، لتدفع الأوضاع الى حافة الهاوية ان لم تكن قد تدحرجت بالفعل اليها.

الامنيات تتكرر كل عام، فيما تظل الصدارة والقدح المعلى للبحث عن الأمان والاستقرار بعيدا عن قرقعة السلاح المنفلت و"الدكات" والتدخلات الخارجية. والاستقرار هنا هو بالمعنى الواسع الذي يكفل للمواطن التمتع بحقوقه غير منقوصة، وكحالة ملموسة تنعكس على حياته اليومية. وهو استقرار يفترض ان تكون الدولة حاضرة فيه بمؤسساتها المختلفة، وتمتلك القدرة على إنفاذ القانون على الجميع، وبما يحفز تقليص الهوة بين المواطن ومؤسسات الدولة وسلطاتها المختلفة. 

 ويبقى ملف العدالة بشموليته حاضرا في الاجندة، وغير مرتبط بالقضايا الإجرائية القانونية فقط، ذلك ان له بعده الأوسع الممتد الى معالجة التفاوت الاجتماعي، وتأمين الفرص المتكافئة، وضمان التعامل مع العراقيين بلا تمييز لأي سبب او اعتبار.

كما تبقى في الصدارة امنية ان يشهد وطننا إجراءات فعلية في مواجهة الفساد، الغاء الاستثناءات أيا كانت، وان تأتي الخطوات الجادة في هذا الشأن ضمن مسارات أخرى، في اتجاه إعادة الاعتبار للدولة ومكانتها، بما يطمئن المواطن على كونه وحقوقه وممتلكاته في مأمن. وعلى أمل ان يؤدي وقف هذا النزف المتواصل للموارد المالية، الى إزاحة أحد عوامل الإعاقة امام التنمية وتلبية حاجات المواطنين. ولعل من نافل القول التأكيد بان للنجاح في المعركة ضد الفساد بعدا وجوديا للدولة والمجتمع معا.

وإذ يواجه العراق تحديات حقيقية وكبرى، في مجال الحريات والحقوق العامة والشخصية في الرأي والتعبير والتظاهر والاحتجاج، وفي مناهضة العنف والتعذيب وحق الحصول على المعلومات، فانه بات مطلوبا توفر ضمانات حقيقية لكفالة هذا كله. وهنا يأتي دور القضاء وحياديته ووقوفه على مسافة واحدة من الجميع، والنأي بنفسه عن التجاذبات السياسية ومطبّاتها .

وفي السياق ذاته تبقى في صدارة الاهتمام قضايا الخدمات العامة، كالكهرباء والماء والصحة والتعليم والنقل العام، بأمل ان تخلي الذرائع والتبريرات الممجوجة مكانها لأفعال حقيقية، تؤشر توجها جديا ووفق جداول زمنية، نحو انهاء هذه الملفات التي ارهقت وترهق المواطنين، فيما يعد استمرار التلكؤ فيها مؤشرا على عجز دائم لمؤسسات الدولة، عن القيام بواجباتها تجاه المواطنين، الذين يتطلعون الى عام جديد فيه اقل ما يمكن من القسوة والمنغصات. 

وإذ لا يعيش العراقيون في جزيرة منعزلة، فان الامنيات تمتد الى خارج الحدود، حيث فلسطين وشعبها ما زالا ينزفان، وسوريا تبحث عن تعاف واستقرار، وحيث يتواصل العنف في اليمن والسودان، ويغرق لبنان في ازماته. وفي ارجاء اخرى من منطقتنا تتجدد أماني وقف الحروب والنزاعات ودوامات العنف، وإعطاء الشعوب فرصة للحياة والجنوح الى الاستقرار وتحقيق السلام والعيش الكريم.

وإذ يأتي العام الجديد في ظل أوضاع دولية متأزمة ومقلقة، تتسع فيها دائرة التوتر والحروب، مع تراجع واضح لاحترام القيم الإنسانية، وتزايد الانتهاكات الفظة للقوانين والاعراف والتقاليد الدولية، واتساع الهشاشة الاقتصادية والبيئة المناخية الخانقة، تظل الامنيات ان يستعيد العالم بعضا من عقلانيته، وان يصبح الانسان في كل مكان، لا الربح والمال والهيمنة والنفوذ، هو مركز الاهتمام والهدف.

وبين التفاؤل الحذر والقلق المشروع، يستمر التطلع في العام الجديد الى بقاء كوة الامل مفتوحة بما يؤشر إمكانية الوصول الى فضاءات واعدة لشعبنا وشعوب العالم كافة.