اخر الاخبار

بعد كل دورة انتخابية برلمانية يدخل العراق في دوامة من الرحلات المكوكية والتدافعات، بهدف حلحلة عقدة من يشغل مواقع الرئاسات الثلاث، مع تميز حالة التطاحن  على موقع رئيس مجلس الوزراء. 

في البلدان الديمقراطية الحقة، تبيّن نتائج الانتخابات من الفائز ولمن تسند المناصب والمواقع، خاصة رئاسة الوزراء، وبما ييسر عملية الانتقال السلمي للسلطة. اما في بلدنا فان أيا من هذه المواقع لا علاقة له البتة بالنتائج، وبما تفرزه من اصطفافات للقوى السياسية.  ولعل الأساس في هذا هو انعدام القراءة القانونية المتوافقة مع الدستور ومواده، والقوانين ذات العلاقة. وهذه الإشكالية لها صلة بالقضاء أيضا وبما تقول وتنطق به المحكمة الاتحادية حولها، ومنها مثلا التمايزات بشأن موضوعة " الكتلة الأكبر“. فبسبب رأي المحكمة حُرم فائزان في الانتخابات البرلمانية في سنتي ٢٠١٠ و٢٠٢١ من تولي رئاسة مجلس الوزراء.

وهذه الإشكاليات بعد كل انتخابات، ومنذ ٢٠٠٥، تعود أيضا الى طبيعة القوى المتنافسة، والتي هي أقرب الى تجمعات اللحظة الانتخابية منها الى أحزاب وتحالفات راسخة، ذات برامج سياسية تسعى من خلال اعتمادها لنيل ثقة الناخبين والتنافس في ضوئها، إضافة الى صفات مرشحيها المستندة الى الكفاءة والنزاهة والمقدرة والمواقف المعروفة والمعلنة، وليس ما له علاقة بالوظيفة والموقع في الدولة، وبالانتماءات القومية والدينية والطائفية والعشائرية والمناطقية.  

وفي هذا الشأن أيضا، ولأن بلدنا " خان جغان " للتدخلات الخارجية، الخشنة منها والناعمة، فان لها هي الأخرى بصمتها الواضحة على الامكانية الفعلية لتحقيق انتقال للسلطة، سلس ومرن. 

ان إشكاليات الانتخابات البرلمانية، وهي عديدة، وتتعلق في الأساس بالجانبين الدستوري والقانوني وقراءتهما، وما اعدتنا عليه من تأخر ممل في تسمية الرئاسات وتشكيل الحكومة، ليست من دون فواتير يدفعها الوطن والمواطن، وخصوصا في هذه الأوقات حيث العراق مرشح للانزلاق الى أزمات حادة، لعل في مقدمتها الوضع الاقتصادي، وما تتعرض له أسعار النفط من انقلابات حادة في ضوء متغيرات جيوسياسية، إقليمية ودولية.

فبلدنا اليوم في حالة اشتباك وصراع مفتوحين بين المتنفذين الماسكين بالقرار، وفيهما يكثر كما هو واضح الضرب تحت الحزام، وتداخل المصالح الحزبية الضيقة والشخصية، والحسابات الإقليمية والدولية. وان ما يتراجع فعلا ويُدفع الى الوراء وينظر اليه باعتباره هامشيا، هو المصلحة الوطنية العليا، وحاجة البلد الى لملمة صفوفه، ومعالجة ما يئن منه المواطنون ويتذمرون. ووقد ظهرت ملامح ذلك للعيان رغم ان الانتخابات البرلمانية لم يمر عليها الا أيام معدودات.

أين موقع العراق، ومصلحة شعبه في كل هذه التدافعات الجارية اليوم؟ فهل ستقود الى استقراره وتقدمه وبدء خطوات عملية (وليس وعودا أخذت تتبخر مع انتهاء التصويت) لتدشين السير على طريق معافاته وانتشاله والمواطن من دوامة الازمات المتراكمة والآخذة في الانشطار والتكاثر، ومنها ملامح هجمة ظلامية على ما تبقى من الهامش الديمقراطي، وما ارتبط به من حريات نسبية؟

ان التجربة الممتدة منذ ٢٠٠٥ ولحد الان لا تشير الا الى افراغ عملية الانتقال للسلطة من مضامينها الدستورية والقانونية والسياسية والوطنية، وحصرها ضمن منهج المحاصصة بالاسماء، بدل البرامج والتوجهات الجادة لإنقاذ البلد، في دوامة محزنة تعكس عمق الهبوط الفعلي الى عناوين وصراعات هامشية، لا تمت باية صلة الى جوهر ومضمون عملية الانتخابات وبعدها الديمقراطي.

ان تغيير هذا الذي يجري اليوم، والحيلولة دون تكرار ازمة   تسمية الرئاسات بعد كل دورة انتخابية، وضمان ان تكون لصندوق الاقتراع وما يفرزه علاقة وثقى بما يجري بعد ذلك، هذا كله يحتاج الى مقاربات أخرى، ومنها إعادة الاعتبار الى العملية الانتخابية، ووضعها في سياقها السليم. وهذا يتطلب، من بين أمور عدة، مراجعة شاملة لمجمل مكونات العملية والقوانين الناظمة لها، وان تغدو فعلا إداة ديمقراطية حرة للتعبير عن إرادة المواطنين، وللانتقال السلمي للسلطة، والابتعاد عن صفقات اللحظة العابرة. 

وحيث ان القوى المتنفذة والماسكة بالسلطة، ليست فقط عاجزة عن القيام بذلك، بل هي غير راغبة فيه أصلا، فيبقى التعويل على الوعي الشعبي والضغط المجتمعي، في إعادة الاعتبار للعملية الانتخابية ومجمل المسار السياسي في بلدنا.