اخر الاخبار

إرم نيوز

تعيش العاصمة العراقية بغداد على وقع تقاطعات أمنية وسياسية بالغة الحساسية، تداخلت فيها المشاهد الميدانية بين خرق جوي لافت تمثّل بتحليق مسيّرات مجهولة فوق المنطقة الخضراء، وبين حراك حكومي متسارع لإخضاع عتاد الفصائل المسلحة لسلطة الدولة. 

وبينما أعلنت الحكومة العراقية خطة زمنية لحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية بحلول صيف 2027، تكشف التفاصيل والميدانيات عن تعقيدات عميقة تخيّم على هذا الملف، بين استعراضات قوة في سماء بغداد وتفاهمات جزئية لم تمس الترسانة الاستراتيجية المتطورة لدى بعض الجماعات العقائدية.

 

اختراق جوي ورسائل سياسية

وأثارت حادثة إسقاط طائرات مسيّرة فوق محيط المنطقة الخضراء في بغداد جدلاً واسعاً، عقب تضارب لافت في البيانات الرسمية؛ إذ اقتصر بيان هيئة الإعلام الأمني العراقية على إعلان التصدي لطائرة مسيّرة واحدة، بينما أكدت البيانات الأمريكية والميدانية إحباط هجوم بطائرتين مسيّرتين جرى اعتراضهما بواسطة المنظومات الدفاعية المخصصة لتأمين السفارة الأمريكية.

وتشير الميدانيات إلى أن الاقتصار العراقي الأوّلي على ذكر طائرة واحدة يعود إما لتداخل في عملية الرصد الراداري أو لاعتبارات ترتبط بالتهدئة السياسية والإعلامية، في حين أثبتت مصادر إعلامية أخرى سقوط حطام طائرتين في موقعين منفصلين خارج حدود المنطقة الخضراء، أحدهما قرب شارع الرشيد في بغداد القديمة، والآخر قرب ساحة عبد المحسن، إثر استهدافهما بمقذوفات اعتراضية من طراز "كويوت 2" المخصصة لضرب المسيّرات. الأمر الذي زاد الأمر تعقيداً حول اختلاف رواية الطرفين الأمريكي والعراقي.

وبحسب مصادر تحدثت لـ"إرم نيوز"، فإن الفحوص الفنية للأجهزة الأمنية أفادت بأن المسيّرتين اللتين جرى اعتراضهما لم تكونا تحملان رؤوساً حربية متفجرة، ما يكشف أن الغرض الأساسي لم يكن التفجير المباشر، بل تنفيذ مناورة استعراضية واختراق نفسي وسياسي وجه رسالة مباشرة إلى رئيس الوزراء علي الزيدي وواشنطن بأن العمق السيادي للعاصمة ما يزال ضمن نطاق الاستهداف.

وأوضحت المصادر، أن الرادارات رصدت انطلاق المسيّرات من أحزمة بغداد في أطرافها الشمالية والشرقية المتاخمة لمناطق نفوذ فصائلية، حيث استغلت الجهات المنفذة "المناطق الرخوة" أمنياً مع وجود تسهيلات لوجستية مكّنت فرق التوجيه من الاقتراب لمديات قصيرة لتفادي الرادارات بعيدة المدى، وذلك بهدف إرباك جهود الحكومة وإثبات أن قرار السلم والحرب لا تحتكره المؤسسة التنفيذية بمفردها.

 

سلاح الفصائل.. تسليم أم ردع؟

بالتزامن مع هذا الخرق الجوي، برز ملف "حصر السلاح" كأحد أكثر الملفات تعقيداً أمام حكومة الزيدي. وعلى الرغم من إعلان تسليم 3 فصائل تابعة لـ"حشد المرجعية" (فرقة العباس القتالية، لواء علي الأكبر، ولواء أنصار المرجعية) لأسلحتها الثقيلة والمتوسطة من مدافع ودبابات وناقلات إلى وزارة الدفاع، إلى جانب ارتباط تشكيلات من "سرايا السلام" مباشرة بالقائد العام للقوات المسلحة، إلا أن كواليس هذا الخطوة تحمل دلالات مغايرة.

وقالت مصادر عراقية لـ"إرم نيوز" إن خطوة الفصائل الثلاثة تعد "تحصيلاً لحاصل" كونها تشكيلات مرتبطة أساساً بفتوى النجف وتطالب منذ فترة طويلة بالاندماج الكامل في المنظومة الدفاعية الرسمية، وبالتالي فإن تسليمها للعتاد لم يمس جوهر الأزمة المتمثل في "الفصائل الولائية".

 

استراتيجية المحاصرة الناعمة

وأضافت المصادر أن عملية التسليم ربما شهدت استبعاداً كاملاً للترسانة النوعية؛ إذ لم تتضمن الأسلحة المسلّمة أي طائرات مسيّرة أو صواريخ دقيقة ومتطورة، حيث شككت باحتمال وجود أو احتفاظ بعض الجماعات العقائدية بأسلحة الردع الاستراتيجي داخل مستودعات ومخابئ سرية تحت الأرض بعيداً عن أي رقابة حكومية.

وفي حين تُجري الأجهزة الرسمية مفاوضات مع فصيلين إضافيين يحاولان انتزاع مكاسب سياسية ومناصب في "هيئة الحشد" ومفاصل الدولة مقابل دمج جزئي لعتادهما، تعتمد الاستخبارات العراقية استراتيجية "المحاصرة الناعمة" ضد الفصائل الرافضة قطعياً لتسليم السلاح مثل "كتائب حزب الله"، و"حركة النجباء"، عبر بناء بنك معلومات استخباري وتجفيف شبكاتها المالية بالتنسيق مع متطلبات الخزانة الأمريكية لإجبارها على العزلة قبل حلول المهلة النهائية في 30 يونيو/حزيران 2027.

وفي قراءة لطبيعة هذه التطورات، أكد الخبير الأمني سرمد البياتي، في حديث خاص لـ"إرم نيوز"، أن تحليق المسيّرة فوق المنطقة الخضراء واعتراضها من قبل دفاعات السفارة الأمريكية يمثل خرقاً أمنياً صريحاً، مشدداً على أنه كان المفترض التعامل مع مثل هذه التهديدات الجوية وإسقاطها على حدود العاصمة قبل وصولها إلى مركز القرار السياسي.

وأوضح البياتي، الذي أكد أيضاً من جانبه وجود مسيرة واحدة لا أكثر، "أن المؤشرات تدل على قدوم الطائرة من جهة شمال بغداد، لافتاً إلى أن اللجان التحقيقية تعمل حالياً على جمع أجزاء وحطام الطائرة لتحديد طرازها والجهة المصنعة لها ودقة مصدر انطلاقها.

وحول ملف حصر السلاح، رأى البياتي أن انضمام فصائل العتبات وسرايا السلام وإعلان ارتباطها المباشر بالقائد العام للقوات المسلحة يمثل خطوة بالغة الأهمية، مستدركاً بأن المدى الزمني المحدد لتنظيم السلاح وتفكيك البنية المسلحة خارج إطار الدولة يظل طويلاً جداً في ظل التطورات المتسارعة والمخاطر العالية التي تشهدها المنطقة.

وحذر الخبير الأمني من أن المرحلة المقبلة ستشهد إشكاليات وتجاذبات سياسية وأمنية بين الأطراف المختلفة، إلا أن المعيار الأساسي للنجاح يكمن في الوصول إلى اتفاق يضمن احتكار السلاح بصورة كاملة ونهائية بيد الدولة العراقية وحدها.

 

بين حزم الدولة ومناورات السلاح

وتؤكد المؤشرات الميدانية والسياسية أن العراق يقف عند مفترق طرق حاسم بين التزامات السلطة التنفيذية بفرض سيادة القانون وبين استراتيجيات التكيف والمناورة التي تتبعها الفصائل المسلحة.

وبينما تسعى بغداد لحماية مظلتها الاقتصادية وتجنيب البلاد الانزلاق نحو المواجهات الإقليمية، يظل حسم ملف الترسانة الثقيلة والمسيّرات المعيار الفعلي الذي سيحدد قدرة الدولة على تحويل قرارات حصر السلاح من التفاهمات الجزئية إلى واقع سيادي موجز ومستدام.