اخر الاخبار

إرم نيوز

تواجه السيادة العراقية تحدياً مستمراً بفعل التدخلات الإقليمية التي حاولت إعادة صياغة القرار الوطني وفقاً لمصالحها، وفي مقدمتها طهران التي وظفت أدوات سياسية واقتصادية وأمنية متعددة لترسيخ  نفوذها في بغداد. 

ولم تعد  التدخلات مجرد استنتاجات لمراقبين، بل تحولت إلى شهادات علنية يدلي بها قادة عراقيون تصدروا هرم السلطة التشريعية والتنفيذية لسنوات، كاشفين عن كواليس الضغوط والإغراءات التي مورست لتطويع المواقف الرسمية.

وجاء أحدث هذه المواقف الصادمة على لسان رئيس مجلس النواب العراقي الأسبق، أسامة النجيفي، الذي كشف في تصريحات صحفية تلفزيونية عن تفاصيل دقيقة تعكس عمق المحاولات الإيرانية لاختراق السيادة العراقية عبر المال السياسي، ومساعي طهران لفرض وجود عسكري مباشر للحرس الثوري الإيراني في نينوى إبان حرب التحرير ضد تنظيم داعش.

وفقاً لشهادة النجيفي، فإن النفوذ الإيراني في العراق لم يعتمد فقط على التحالفات الأيديولوجية أو الضغط العسكري، بل استند بشكل أساسي إلى المال السياسي كوسيلة لشراء المواقف وتليين قرارات القادة العراقيين الذين لا يدورون في الفلك الإيراني.

وأوضح النجيفي، الذي أدار السلطة التشريعية في فترة حرجة من تاريخ العراق الحديث، بشكل صريح، أن جهات إيرانية عرضت عليه أموالاً طائلة وإغراءات مالية ضخمة إبان توليه رئاسة البرلمان، إذ كان الهدف الواضح من هذه العروض هو كسب ولائه، أو على أقل تقدير، تحييد مواقفه تجاه التمدد الإيراني في مؤسسات الدولة العراقية.

 وأكد النجيفي أن موقفه الثابت كان الرفض القاطع والدائم لهذه العروض، منطلقاً من رؤية سياسية تعتبر المال السياسي الخارجي أداة لتقويض القرار الوطني العراقي.

وتسلط شهادة النجيفي الضوء على آليات الدبلوماسية المالية الإيرانية في بغداد، التي نجحت من خلالها طهران، بحسب تقارير استخباراتية دولية، في بناء شبكة واسعة من العلاقات والنفوذ داخل الكتل السياسية المختلفة، عبر تمويل حملات انتخابية ودعم شخصيات سياسية بعينها لضمان بقاء القرار العراقي متناغماً مع مصالح طهران الإقليمية.

أما المحور الثاني والأكثر خطورة في ما كشفه النجيفي، فيتعلق بفترة الحرب على تنظيم داعش الإرهابي، وتحديداً مرحلة التخطيط لتحرير محافظة نينوى ومركزها الموصل.

وأوضح النجيفي أن الجانب الإيراني قدم له مقترحاً رسمياً ومباشراً يقضي بإشراك ومساعدة الحرس الثوري الإيراني في عمليات تحرير الموصل، شريطة أن يبدي النجيفي مرونة وصداقة تجاه طهران، وأن يمنح هذه الخطوة غطاءً سياسياً وقبولاً مجتمعياً بوصفه أحد أبرز القادة السياسيين للمكون السني في تلك الفترة.

وجاء رد النجيفي بالرفض التام لدخول الحرس الثوري إلى الموصل، وهو موقف بُني على قراءة إستراتيجية للمشهد تضمنت هواجس حقيقية حول التغيير الديموغرافي، إذ كان هناك تخوف حقيقي من أن يؤدي دخول قوات إيرانية مباشرة أو فصائل مسلحة مرتبطة عقائدياً بطهران إلى إحداث تغييرات في التركيبة السكانية للمنطقة، أو فرض واقع أمني وعسكري طويل الأمد تحت ذريعة محاربة الإرهاب.

كما انطلق الرفض من الرغبة في عدم إذكاء الاحتقان الطائفي، لأن إقحام قوات أجنبية ذات صبغة عقائدية معينة في معركة تحرير مدينة ذات أغلبية سكانية عربية سنية عانت من بطش تنظيم داعش، كان سيفسر سياسياً وشعبياً عن أنه استقطاب طائفي يعقد ملف السلم الأهلي بعد التحرير.

يضاف إلى ذلك إصرار النجيفي على أولوية القرار العسكري الوطني، حيث كان يرى أن تحرير الموصل وباقي المدن العراقية يجب أن يتم حصراً بأيدي أبناء القوات المسلحة العراقية بجميع صنوفها، وبدعم من أبناء المحافظة أنفسهم، للحفاظ على الطابع الوطني لعمليات التحرير والابتعاد عن صراع المحاور الإقليمية. 

ويرى المحلل السياسي مهنا شتيوي أن شهادة النجيفي لا يمكن قراءتها بمعزل عن السياق التاريخي والواقعي للاختراقات الإيرانية المستمرة للسيادة العراقية، والتي تتخذ أشكالاً متعددة تشمل الاختراق الأمني والعسكري من خلال تشكيل وتغذية فصائل مسلحة خارج إطار الدولة، واستخدام الأراضي العراقية كمنصة لإرسال الرسائل .

ويضيف في تصريح لـ"إرم نيوز" أن التوغل الإيراني يمتد إلى الجانب السياسي عبر التدخل المباشر في هندسة التحالفات واختيار الرئاسات الثلاث، حيث يزور قادة الحرس الثوري بغداد بانتظام في مواسم تشكيل الحكومات لتقريب وجهات النظر بين القوى الحليفة وفرض فيتو على الشخصيات المناهضة لها.

ويؤكد، أن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، بل يمتد إلى الاختراق الاقتصادي والتجاري الذي تحول بموجبه العراق إلى سوق رئيسية للبضائع الإيرانية مع الاعتماد العراقي شبه الكامل على الغاز الإيراني لتشغيل محطات الكهرباء؛ ما يجعل بغداد رهينة لقرارات طهران  في مجال الطاقة . 

وعلاوة على ذلك يشمل التغلغل اختراق بنية الدولة عبر تعيين شخصيات موالية في مناصب الدرجات الخاصة، وهو ما يفسر إشارة النجيفي في لقائه إلى ضبط سبعة نواب زوروا شهاداتهم الدراسية ولجؤوا إلى دولة مجاورة لتسوية أوضاعهم والعودة للسلطة.

وتثبت شهادة النجيفي أن معركة استقلال القرار العراقي لا تزال مستمرة وتواجه تحديات كبيرة، إذ إن محاولات الاختراق عبر المال السياسي، أو من خلال مقترحات إشراك الحرس الثوري في ملفات الأمن الداخلي، تكشف عن إستراتيجية إيرانية تهدف إلى إبقاء بغداد في حالة ضعف لضمان سهولة التوجيه.