إرم نيوز
يواجه القطاع المصرفي الخاص في العراق اتهامات بالتحوّل إلى "ساحة خلفية" لتمرير أجندات سياسية ومالية إقليمية، وتوفير شريان نقدي لإيران للالتفاف على العقوبات.
يأتي ذلك وسط صراع بين الحكومة والبنك المركزي لتثبيت استقرار العملة المحلية ومنع تدهور القوة الشرائية للمواطنين العراقيين.
وأعادت التصريحات الأخيرة لعضو اللجنة المالية النيابية، جمال كوجر، فتح ملف ما يُعرف في بغداد بـ"مصارف الدكاكين"، وهي مؤسسات مالية خاصة أُسست لغرضٍ رئيس: الاستفادة من نافذة بيع العملة في البنك المركزي وتحويل الدولار إلى قنوات خارجية، من بينها شبكات تابعة ومقربة من طهران للالتفاف على العقوبات الدولية المشددة.
مصارف الستار
وفقاً لتصريحات النائب جمال كوجر، فإن غالبية المصارف التجارية الخاصة لا تمارس عملاً مصرفياً حقيقياً يخدم الدورة الاقتصادية للبلاد، بل تعمل كواجهات مالية لجهات وشخصيات سياسية متنفذة.
ويشير كوجر إلى أن "نحو 90% من المصارف التي طالتها العقوبات والإجراءات المقيدة من قبل الخزانة الأمريكية تعود تبعيتها الفعلية إلى قوى سياسية داخلية".
وتنقل مصادر نيابية عراقية مطلعة في بغداد -فضلت عدم الكشف عن هويتها لحساسية الملفات الحالية- أن هذه المصارف أُسست برؤوس أموال تابعة لأحزاب فاعلة في المشهد السياسي لضمان التدفق النقدي المستمر لتمويل أنشطتها وحملاتها.
وتضيف المصادر، في حديثها لـ"إرم نيوز"، أن عملية منح الرخص المصرفية في فترات سابقة خضعت للمحاصصة السياسية، إذ منحت قوى نافذة رخصاً لإنشاء مصارف ومكاتب صيرفة فئة (أ) بهدف الهيمنة على مزاد العملة الذي كان يضخ مئات الملايين من الدولارات يومياً دون رقابة.
وتوضح المصادر أنه وتحت هذا الغطاء، تحوّلت هذه المؤسسات إلى أدوات لتهريب الأموال وغسيلها، بعيداً عن أعين الأجهزة الرقابية المحلية، مستغلةً الحصانة السياسية والمسلحة التي تتمتع بها الجهات المالكة لها خلف الكواليس.
رئة طهران المالية
تتقاطع تصريحات المسؤولين العراقيين مع تقارير استخباراتية واقتصادية دولية تؤكد أن طهران وجدت في القطاع المصرفي العراقي "الرئة والمنفذ" الأهم للتنفس مالياً في ظل الحصار الاقتصادي الأمريكي المفروض عليها.
وبحسب التقارير ذاتها، فإن السيطرة غير المباشرة على بعض المصارف الخاصة تتيح لإيران الوصول إلى نظام المقاصة الدولي (سويفت) الذي حُرمت منه رسمياً.
وتتلخص آليات الالتفاف، بحسب التقارير فنية، في ثلاثة مسارات رئيسية تتمثل في التجارة الوهمية والوثائق المزورة، إذ تعتمد هذه الشبكات على تقديم اعتمادات مستندية وحوالات خارجية مستندة إلى "فواتير استيراد وهمية".
وتُظهر الوثائق الرسمية المقدمة للبنك المركزي أن الأموال مخصصة لشراء سلع ومواد إنشائية أو غذائية من دول ثالثة، لكن القيمة الفعلية للبضائع تكون مضخمة بعشرات الأضعاف، أو لا يتم استيرادها أساساً، بينما تُحوَّل الفروقات النقدية بالدولار إلى حسابات خارجية تابعة لشبكات مالية تخدم المصالح الإيرانية.
أما المسار الثاني فهو تهريب الدولار النقدي "الكاش"، إذ تدير واجهات الأحزاب بالتوازي مع النظام المصرفي، شبكات واسعة من شركات الصيرفة التي تقوم بسحب كميات كبيرة من الدولار النقدي من الأسواق المحلية (السوق الموازية)، ومن ثم نقلها عبر الحدود البرية الواسعة بين العراق وإيران.
ويتضمن المسار الثالث، حسابات الطاقة ومقايضة الديون، إذ يمثل ملف مستحقات الغاز والكهرباء الإيرانية المودعة في المصرف التجاري العراقي معضلة مستمرة.
ورغم القيود الأمريكية الصارمة التي تشترط صرف المبالغ للأغراض الإنسانية فقط، فإن مصادر مالية تؤكد وجود محاولات مستمرة وضغوط سياسية من أطراف حليفة لطهران لابتكار قنوات مالية تتيح تسييل هذه الأموال أو نقلها عبر مصارف وسيطة بعيداً عن آليات التدقيق الأمريكية والأوروبية.
استغلال جيوسياسي
في قراءة تحليلية لهذا المشهد، يرى خبراء اقتصاد وسياسيون عراقيون أن الأزمة تتجاوز مجرد فساد مالي تقليدي، إلى كونها استغلالاً جيوسياسياً للنظام المالي العراقي.
يقول الخبير المالي والاقتصادي العراقي، الدكتور أحمد بريسم، إن "المشكلة الأساسية تكمن في الهيكلية التي بُني عليها القطاع المصرفي الخاص بعد عام 2003".
ويشير بريسم إلى أنه لم تكن هناك إستراتيجية لبناء قطاع تنموي، بل تمّ السماح بتأسيس مصارف بناءً على نفوذ سياسي، وعندما فرضت واشنطن معايير الامتثال الصارمة ومنصة التدقيق الإلكترونية، انكشفت هذه المصارف؛ لأنها لم تكن تمتلك أنشطة تجارية حقيقية بل كانت تقتات على فوارق أسعار الدولار وتمويل جهات محظورة دولياً.
من جانبه، قال الباحث في العلاقات العراقية الإقليمية، الدكتور علي التميمي، إن "إيران ترى في العراق عمقاً اقتصادياً إستراتيجياً لا يمكن الاستغناء عنه".
وأكد التميمي، بما أن النظام المصرفي الإيراني معزول بالكامل، فإن المصارف العراقية الصديقة للأحزاب الحليفة لطهران مثّلت خط الدفاع الأول لتوفير العملة الصعبة وتمويل التجارة البينية بطرق ملتوية.
وأضاف أن هذا الصراع ليس مالياً فحسب، بل هو جزء من الصراع الجيوسياسي بين واشنطن وطهران على أرض بغداد.
مراجعات حذرة
أمام هذا الواقع، اتخذ البنك المركزي العراقي، تحت ضغط مباشر من وزارة الخزانة الأمريكية ومجلس الاحتياطي الفيدرالي، إجراءات صارمة تمثّلت في إقصاء عشرات المصارف والشركات الميدانية من التعامل بالدولار وحظرها من دخول نافذة بيع العملة لحين تسوية أوضاعها القانونية والامتثال التام لمعايير غسيل الأموال وتمويل الإرهاب المعتمدة دولياً.
وتشهد الساحة المالية العراقية مخاضاً مستمراً، إذ يقوم البنك المركزي بنشر وتحديث قوائم المصارف المقيدة، بالتزامن مع مراجعات دورية حذرة.
وفي ضوء المعطيات السابقة تثبت الوقائع الميدانية وتصريحات صناع القرار في بغداد أن معركة إصلاح القطاع المصرفي في العراق هي معركة سياسية بامتياز قبل أن تكون فنية.
كما أن نجاح الحكومة في إنهاء ظاهرة "مصارف الواجهة" وقطع دابر تهريب العملة لا يتوقف فقط على الأنظمة الإلكترونية والاتفاقات مع الفيدرالي الأمريكي، بل يتطلب قراراً سياسياً بكسر الحماية التي توفرها بعض القوى المتنفذة لهذه المؤسسات، لضمان استقرار الدينار وحماية الاقتصاد الوطني من التحوّل إلى وقود في الصراعات الإقليمية.