اخر الاخبار

العربي الجديد

عاد الحديث عن العمالة الأجنبية في العراق، والتأثيرات الاقتصادية التي تخلفها عملية تحويل ملايين الدولارات شهرياً إلى بلدان أخرى من جرّاء هذه العمالة، في ظل أزمة مالية تعصف بالوضع العراقي، انتهت أخيراً إلى خفض قيمة الدينار العراقي لتمكين الحكومة من الحصول على فارق السعر من بيع الدولار الأميركي لتوفير سيولة مالية تخدم واقع رواتب الموظفين والمتقاعدين.

وحذر الباحث المختص في الشأن الاقتصادي بمنظمة "دجلة للتخطيط الاستراتيجي" علي كريم إذهيب، من التحديات المتزايدة التي تواجه سوق العمل وتصاعد أزمات البطالة بين صفوف الشباب، مؤكداً في بيان، أنّ "التصريحات الرسمية السابقة الصادرة في مارس/آذار 2025 عن وزير العمل والشؤون الاجتماعية السابق، والذي قدر أعداد العمالة العربية والأجنبية في البلاد بنحو 800 ألف عامل".

وبحسب البيان، فإن "الحسابات التقديرية تعتمد أجراً شهرياً افتراضياً قدره 300 دولار للعامل الواحد، فإن حجم الأموال التي تُدفع أجوراً لهذه العمالة يصل إلى 240 مليون دولار شهرياً، ما يعادل 2.88 مليار دولار سنوياً. وحذر إذهيب من أن "خطورة هذا الملف تتجاوز تدفق الأموال إلى الخارج لتشمل إزاحة العمالة الوطنية، ومنافسة العمالة الأجنبية للشباب العراقي على فرص العمل المتاحة، لاسيما في ظل لجوء بعض أصحاب العمل لتشغيل عمالة غير منضبطة قانونياً لتقليل التكاليف والضغط على الموارد البشرية والمالية، فضلاً عن تحويل جزء كبير من الأجور إلى الخارج، مما يحرم الاقتصاد المحلي من دورة رأس المال.

وأكد الباحث أن "المعالجة لا تعني بأي حال استهداف العمالة الأجنبية أو الانتقاص من حقوقها، بل تهدف إلى تنظيم سوق العمل وفقاً للقانون والمنافسة العادلة. داعياً الجهات الحكومية المعنية إلى اتخاذ خطوات جادة تشمل، تشديد الرقابة على إجازات العمل والتحقق من التزام الشركات بنسب تشغيل العمالة المحلية، ومكافحة ظاهرة العمالة غير المسجلة وتوفير بيانات دقيقة وشفافة عن قطاعات العمل المختلفة، وربط سياسات التوظيف ومنح الإجازات بالحاجة الفعلية للاقتصاد الوطني للخبرات والمهارات الأجنبية، ووضع المواطن في مقدمة أولويات التوظيف".

الأسبوع الماضي، قال عضو لجنة العمل في البرلمان العراقي جاسم الموسوي، إن نسبة العمالة الأجنبية في العراق لا تشكل تأثيراً كبيراً في السوق المحلية، مبيناً في تصريح صحافي، أن "نسبة العمالة الخارجية لا تتجاوز 20% في أي موقع عمل، وأن ذلك يتماشى مع القوانين العراقية... وأن الشركات الأجنبية التي تتعاقد مع الحكومة تحتاج إلى عمالة خارجية، لكنها تبقى أعداداً قليلة، ولا تشكل تأثيراً كبيراً في السوق المحلية".

قبل ذلك، قال المستشار الاقتصادي لرئيس الحكومة العراقية، مظهر محمد صالح، بأنّ "نسبة العمالة الماهرة والتخصصية من العمالة الأجنبية في العراق، لا تشكل سوى 15% من إجمالي العمالة الأجنبية، مقابل 85% منهم عمالة غير ماهرة، ولا نافعة".

ومطلع الشهر الجاري، نفذ الأمن العراقي حملة واسعة في عدد من مناطق العاصمة بغداد، لملاحقة العمالة الأجنبية وتدقيق أوضاعها القانونية، ضمن إجراءات تستهدف رصد المخالفات المتعلقة بالإقامة والعمل وتعزيز الأمن والاستقرار في العاصمة. ووفقاً لبيان لقيادة عمليات بغداد، المسؤولة عن ملف الأمن في العاصمة، في بيان، إن "الحملة تضمنت تنفيذ عمليات بحث وتفتيش ومتابعة أوضاع العمالة الأجنبية، فضلاً عن رصد المخالفات القانونية واتخاذ الإجراءات اللازمة بحق المخالفين.

من جهته، قال الباحث في الشأن الاقتصادي محمد المشهداني، إنّ "المؤشرات غير الرسمية، تفيد بأن كلفة التحويلات السنوية للعمالة الأجنبية تقدر بما لا يقل عن ملياري دولار سنوياً على أقل تقدير في ظل وجود عمالة أجنبية تعمل مع شركات النفط وتكاليف رواتبها عالية جداً"، مبيناً لـ"العربي الجديد"، أن "العمالة الأجنبية تحرم الخريجين العراقيين، وهذه من أكبر مشكلات الاجتماعية في البلاد، فضلا عن أن هذه العمالة تضغط على الموارد والخدمات العامة مثل الإسكان والرعاية الصحية".

وأكمل المشهداني أن "الحكومة العراقية الحالية أكدت في أكثر من مناسبة أنها حريصة على رفع نسبة مشاركة العمالة الوطنية في سوق العمل، لا سيما أن العراق يمتلك طاقات بشرية هائلة تحتاج إلى التأهيل لتواكب التطورات التقنية في مجال العمل، وهناك حاجة ملحة إلى تحجيم العمالة الأجنبية مع تكثيف الرقابة من قبل الجهات المعنية ووزارة العمل لمتابعة الخروق والمخالفات".

وتستقدم شركات ومكاتب أهلية أعداداً من العمالة الأجنبية، التي ينحدر جزء كبير منها من دول آسيوية وعربية، للعمل في قطاعات مختلفة، من بينها الخدمات والتنظيف والإنشاءات وبعض الأنشطة المرتبطة بقطاع النفط، فضلاً عن مجالات أخرى. وتبرز بين العمالة الأجنبية في العراق جنسيات آسيوية وعربية متعددة، من بينها الباكستانية والأفغانية والسورية والإيرانية، إلى جانب جنسيات أخرى. ويقول خبراء أمنيون إن تدقيق أوضاع العمالة الأجنبية لا يرتبط فقط بمسألة تنظيم سوق العمل، بل يمتد إلى الجوانب الأمنية، ولا سيّما في ما يتعلق بالتأكد من صحة الوثائق والإقامات وتصاريح العمل وأماكن السكن والعمل.

ولا تنفصل معالجة ملف العمالة الأجنبية عن الأزمة الاقتصادية والمالية التي يواجهها العراق، إذ إن الحد من التحويلات إلى الخارج لا يتحقق بمجرد تقليص أعداد العمال، بل يتطلب توسيع فرص العمل أمام العراقيين، ورفع كفاءاتهم المهنية، وربط التدريب باحتياجات القطاعات الإنتاجية والخدمية. كما أن ضبط سوق العمل يستدعي تعزيز الرقابة على الشركات، ومراجعة مدى التزامها بتشغيل العراقيين، من دون الإضرار بالاستثمارات أو بحرمان الاقتصاد من الخبرات الأجنبية التي يحتاج إليها. ويبقى التحدي في تحقيق التوازن بين حماية فرص العمل المحلية، وتنظيم العمالة الوافدة، والحد من تسرب الأموال، بما يدعم النشاط الاقتصادي ويعزز قدرة السوق على توليد فرص عمل مستدامة.