اخر الاخبار

تتحرك مكاتب اقتصادية وشخصيات مرتبطة بفصائل عراقية مسلحة نحو توسيع حضورها في قطاع شركات الحماية الأمنية الخاصة، في مسار تصفه مصادر عراقية لـ "إرم نيوز" بأنه محاولة لإعادة ترتيب النفوذ البشري والمالي للفصائل، بالتزامن مع الضغوط الحكومية الرامية إلى حصر السلاح بيد الدولة وإنهاء استقلالية التشكيلات المسلحة.

ووفقا لمصادر أمنية وسياسية عراقية، تشمل التحركات تأسيس شركات جديدة، والاستحواذ على حصص في شركات قائمة، ونقل ملكيات تجارية إلى أقارب ورجال أعمال موثوقين، إلى جانب إعادة تسجيل عناصر مسلحين بوصفهم موظفي أمن وحراسة.

وتشير المعلومات إلى أن هذا التحول لا يستهدف النشاط الاقتصادي وحده، بل يتيح لبعض الفصائل الاحتفاظ بجزء من شبكاتها البشرية والتنظيمية ضمن مؤسسات تجارية مرخصة، بما يثير تساؤلات بشأن الحدود الفاصلة بين النشاط الأمني المدني والوجود المسلح المرتبط بالتنظيمات السياسية. 

 

من المقرات العسكرية إلى شركات الحماية

وفق المعطيات التي تقدمها المصادر، تبرز عصائب أهل الحق وكتائب حزب الله وحركة النجباء ضمن الجهات التي تتحرك شبكات اقتصادية مرتبطة بها لتوسيع استثماراتها الأمنية، وإن اختلفت طبيعة التحركات بين فصيل وآخر.

وتشير إلى أن شخصيات مرتبطة بالعصائب اتجهت نحو توسيع حصصها في شركات قائمة وتسجيل تراخيص جديدة بأسماء مدنية، بالتوازي مع مسار إعادة تنظيم تشكيلاتها المسلحة.

أما الشبكات الاقتصادية المرتبطة بكتائب حزب الله والنجباء، فتفيد المعلومات بأنها تركز على تأسيس واجهات تجارية وإعادة توزيع الملكيات، بما يسمح بفصل النشاط الاقتصادي الظاهر عن الهياكل العسكرية المعروفة.

وتكتسب هذه المعطيات أهمية بالنظر إلى أن ارتباط الفصائل بشركات أمنية ليس ظاهرة جديدة بالكامل. فقد وثّق مركز مكافحة الإرهاب في أكاديمية ويست بوينت الأمريكية، في دراسة عن شبكات النفط العراقية، وجود شركات أمنية تديرها كتائب حزب الله وعصائب أهل الحق، وتفرض رسوماً على حركة متعاقدي نقل الوقود.

 

آلاف المقاتلين بصفات مدنية

تذهب المعلومات الخاصة إلى أن عملية إعادة التموضع تشمل نقل أعداد كبيرة من عناصر الفصائل إلى سجلات شركات الحماية، مقدرةً أعدادهم بالآلاف، ولا سيما منهم العاملين سابقاً في الوحدات الأمنية والتخصصية.

وبحسب هذه المعطيات، لا يعني الانتقال إنهاء الارتباط التنظيمي بالضرورة، إذ يحتفظ بعض العناصر بعلاقاتهم مع قياداتهم السابقة، بينما يحصلون على رواتبهم من الشركات الجديدة.

وتشير المصادر إلى تولي مسؤولين ميدانيين سابقين مناصب إدارية داخل هذه الشركات، بما يتيح استمرار بعض أنماط القيادة والانضباط تحت مسميات وظيفية مدنية.

وتطرح هذه الآلية، إن ثبت اتساعها، تحدياً أمام الجهات الرقابية، لأن الترخيص التجاري لا يكفي وحده لتحديد الجهة التي تمارس السيطرة الفعلية على العاملين أو تصدر التعليمات إليهم.

 

النفط والموانئ.. عقود تتجاوز الحراسة

تقول المصادر إن شركات مرتبطة بشخصيات فصائلية تسعى إلى توسيع عقودها في المنشآت النفطية بالبصرة وميسان وموانئ أم قصر والمشاريع الاستثمارية.

وتتحدث عن استخدام العلاقات السياسية داخل المؤسسات الحكومية، إلى جانب المنافسة السعرية، للحصول على عقود حماية طويلة الأمد. ولا تقتصر أهمية هذه العقود على عائداتها المالية، إذ توفر للشركات حضوراً مستمراً قرب منشآت استراتيجية ومسارات نقل وإمداد تجاري.

وكانت صحيفة "ذا ناشيونال" قد تناولت، في حزيران/ يونيو الماضي، نفوذ الفصائل والشركات المرتبطة بها في قطاعات الموانئ والجمارك والنفط بالبصرة، مشيرة إلى وجود شبكات أمنية واقتصادية موازية. كما سبق أن كشفت الصحيفة عن دور للحشد الشعبي في أنشطة الحماية المرتبطة بمشروع ميناء الفاو الكبير.

وتتحدث المعلومات عن امتلاك شركات الحماية المعنية سيارات مصفحة ومعدات اتصالات وأسلحة فردية، مع تسجيل جانب من تجهيزاتها لدى وزارة الداخلية.

وتضيف أن بعض المسؤولين الميدانيين السابقين يتولون الإشراف على حركة الآليات ومخازن المعدات، رغم انتقالهم إلى مواقع إدارية مدنية.

 

تدقيق حكومي ومخاوف استثمارية

بحسب معلومات المصادر، تتزامن التحركات مع مراجعات أمنية لتراخيص شركات الحماية وسجلات موظفيها وأسلحتها، وسط مساعٍ حكومية لمنع انتقال التشكيلات المسلحة المستقلة إلى القطاع الخاص دون رقابة فعلية.

وتشير إلى أن التدقيق يستهدف بشكل خاص هويات العاملين، والملكية الحقيقية للشركات، وطبيعة الأسلحة المسموح باستخدامها.

وتكتسب هذه المراجعات بعداً اقتصادياً مع سعي بغداد إلى جذب استثمارات أجنبية جديدة، تحتاج إلى ترتيبات أمنية مستقرة وشركات حماية قادرة على العمل بعيداً عن الصراعات السياسية والتنظيمية.

وبذلك، يتجاوز الملف مسألة التراخيص ليطرح سؤالاً عن مستقبل النفوذ المسلح في الاقتصاد العراقي؛ فهل تؤدي إعادة تنظيم الفصائل إلى إنهاء استقلاليتها الأمنية، أم إلى إعادة إنتاج بعض شبكاتها داخل القطاع التجاري؟ 

 

إعادة إنتاج النفوذ بواجهات جديدة

في هذا الإطار، يقرأ الباحث العراقي فراس إلياس توجه الفصائل نحو الشركات الأمنية بأنه يعكس رغبتها في بناء مصادر قوة مستقلة تضمن استمرار نفوذها، حتى في حال تعرض تشكيلاتها العسكرية لإعادة الهيكلة أو التقليص. 

ويوضح أن قيادات هذه الفصائل تسعى إلى توفير غطاء اقتصادي وقانوني للأموال والممتلكات والاستثمارات التي راكمتها مكاتبها الاقتصادية خلال السنوات الماضية، بما يسمح بتحويلها إلى أصول تعمل ضمن مؤسسات وشركات ذات صفة رسمية.

ويشير إلى أن هذه الاستراتيجية لا تنفصل عن محاولة الحفاظ على التأثير السياسي والأمني داخل مؤسسات الدولة، إذ يمنح الاستقلال المالي الفصائل قدرة أكبر على المناورة ومقاومة الضغوط الحكومية. ومن هذا المنطلق، فإن حصر السلاح وحده لا يكفي لإنهاء نفوذ الفصائل ما لم يترافق مع إخضاع مواردها الاقتصادية لرقابة الدولة.