اخر الاخبار

كشفت معلومات خاصة لـ"إرم نيوز" أن إعلان حالة الطوارئ بات واحدًا من الخيارات المطروحة أمام رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، في محاولة لمنحه مساحة أوسع للتحرك ضد الفصائل المسلحة الخارجة عن سلطة الدولة، وتقديم خطوة عملية إلى واشنطن يمكن أن تساعد بغداد على احتواء ضغوط متصاعدة وتأجيل أو تجميد عقوبات أمريكية محتملة.

وقالت مصادر سياسية عراقية مقربة من الحكومة إن الزيدي يخوض حاليًا "معركة مزدوجة"، تتمثل في استكمال تشكيل حكومته وترتيب توازناتها الداخلية من جهة، وإقناع الإدارة الأمريكية، وخاصةً البيت الأبيض ووزارة الخزانة، بأن حكومته قادرة على تنفيذ تعهداتها بفرض الأمن وحصر السلاح ومواجهة الجماعات التي تستخدم الأراضي العراقية لتنفيذ عمليات خارج الحدود.

وبحسب المصادر، فإن إعلان الطوارئ يجري تداوله في الأوساط السياسية اليوم، باعتباره إحدى الأدوات التي قد تسمح للزيدي بالانتقال من إدارة الأزمة عبر التفاوض مع القوى السياسية والفصائل إلى إجراءات أمنية أكثر تشددًا، وفي الوقت نفسه تقديم دليل لواشنطن على أن بغداد لا تتعامل مع الهجمات الأخيرة باعتبارها مجرد أزمة عابرة. 

 

ميسان تغيّر الحسابات

وتسارعت هذه النقاشات بعد التحقيقات المتعلقة بالهجمات التي استهدفت منشآت وخطوط نقل نفط سعودية، والتي قادت السلطات العراقية إلى ميسان، حيث عُثر على معدات مرتبطة بإطلاق مسيّرات، قبل أن تتخذ بغداد سلسلة إجراءات طالت البنية الأمنية في المحافظة.

وشملت الإجراءات إعفاء قائد شرطة ميسان، ونقل مديري أجهزة أمنية إلى الإمرة وإحالتهم إلى التحقيق، وسط شبهات بوجود ثغرات أمنية أتاحت لشبكات مسلحة التحرك وتنفيذ عملياتها.

وتقول المصادر إن اختيار ميسان لم يكن عشوائيًا، بل جاء بعد مراقبة مناطق صحراوية ومسارات تسمح للمسيّرات بالتحرك باتجاه السعودية، فيما تتركز التحقيقات على كيفية نقل المعدات وتجهيزها ووصول منفذي العمليات إلى مناطق الإطلاق، وما إذا كانوا حصلوا على تسهيلات أو تغاضٍ من عناصر داخل مؤسسات أمنية.

وتحدثت تقارير عراقية حديثة، نقلاً عن مصادر أمنية وقيادات في فصائل مسلحة، عن شبكة محدودة مرتبطة بضابط كبير في الحرس الثوري الإيراني تقف خلف عمليات عابرة للحدود، ما يعزز المخاوف من وجود خلايا أصغر وأكثر مرونة تعمل خارج الهياكل المعروفة للفصائل.

 

"غرفة إيران"

وكانت مصادر "إرم نيوز" الأمنية كشفت في وقت سابق عن مستوى آخر من التحقيقات يتعلق بما تصفه بـ"غرفة إيران"، وهي شبكة عمليات تضم عراقيين وعناصر حوثية وتعمل بإشراف مباشر من الحرس الثوري.

وتقول إن تحديد الأهداف وإصدار الأوامر وتوفير الخبرات التقنية وتنفيذ الاستهدافات تتولاها مجموعات مشتركة، بما يسمح لطهران بإدارة عمليات من الأراضي العراقية من دون الاضطرار إلى الاعتماد بالكامل على الهياكل التقليدية للفصائل.

وتخشى بغداد، وفق المصادر، من أن يقود استمرار هذا النموذج إلى تحويل الحدود العراقية الإيرانية إلى جبهة جديدة للصراع بين واشنطن وطهران، خاصةً مع اتساع ساحات المواجهة الإقليمية.

وترى المصادر أن استهداف منشآت الطاقة السعودية من الأراضي العراقية يرفع مستوى الخطر على بغداد، إذ يمكن التعامل أمريكياً ودولياً مع بعض هذه العمليات باعتبارها "هجمات إرهابية" عابرة للحدود، وهو ما قد يضع الحكومة أمام مسؤولية أكبر إذا لم تظهر قدرتها على منع تكرارها.

 

رسالة الحدود لم تصمد

وكان إغلاق عدد من المنافذ الحدودية مع إيران أول اختبار لهذا التوجه. وتقول مصادر "إرم نيوز"إن القرار حمل رسالة سياسية إلى واشنطن مفادها أن بغداد مستعدة لاتخاذ إجراءات لمنع انتقال الأسلحة والمعدات واستخدام أراضيها في استهداف دول الجوار. لكن المنافذ أعيد فتحها سريعًا.

وبحسب المصادر، جاءت العودة عن القرار بعد اعتراض قوى شيعية اعتبرت إغلاق الحدود مساهمة عراقية غير مباشرة في الحصار الأمريكي المفروض على إيران، وهو ما كشف مجددًا حدود قدرة الحكومة على اتخاذ إجراءات ضد المصالح الإيرانية من دون الاصطدام بالقوى الحليفة لطهران.

 

واشنطن تنتظر الأفعال

ويأتي ذلك بينما تصعّد وزارة الخزانة الأمريكية ضغوطها على الشبكات العراقية المرتبطة بإيران. ففي 10 سبتمبر/أيلول، أعلنت الخزانة إجراءات جديدة ضمن عملية "المنبوذ الاقتصادي"، استهدفت أفرادًا وكيانات مرتبطة بشبكات إيرانية وكتائب حزب الله، في مؤشر إلى أن مسار العقوبات يتحرك بالتوازي مع مطالبة بغداد بإجراءات ملموسة ضد السلاح المنفلت.

وهنا، وفق المصادر، تكمن أهمية خيار الطوارئ بالنسبة للزيدي؛ فهو لا يحتاج فقط إلى صلاحيات إضافية لملاحقة الشبكات المسلحة، وإنما إلى إجراء سياسي وأمني كبير يستطيع تقديمه إلى إدارة الرئيس دونالد ترامب باعتباره دليلاً على انتقال حكومته من التعهدات إلى التنفيذ.

لكن المصادر تلفت بالمقابل إلى أن رئيس الوزراء لا يستطيع "دستوريًا" إعلان الطوارئ منفردًا، إذ يحتاج الأمر طلباً مشتركاً من رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء وموافقة ثلثي مجلس النواب، ما يعني أن اللجوء إلى هذا الخيار سيشكل أيضاً اختباراً لمواقف القوى الشيعية من المواجهة مع الفصائل. 

 

معركة على سيادة العراق

ويرى الباحث والخبير الاستراتيجي محمد يوسف النور أن التطورات الأخيرة وضعت الحكومة العراقية أمام اختبار يتجاوز ملف الفصائل إلى "قدرة الدولة نفسها على حماية سيادتها ومنع تحويل أراضيها إلى منصة لحروب الآخرين".

وقال النور لـ"إرم نيوز" إن "إعلان حالة الطوارئ، إذا جرى اللجوء إليه، يمكن أن يوفر غطاءً سياسياً وأمنياً لإجراءات أكثر حزماً، لكن قيمته الحقيقية لن تكون في الإعلان نفسه، وإنما فيما ستفعله الحكومة بعده على الأرض".

وأضاف أن "واشنطن لن تكتفي على الأرجح بقرار سياسي أو بإقالات داخل الأجهزة الأمنية، بل ستراقب القدرة على ضبط الحدود، وملاحقة شبكات إطلاق المسيّرات، والسيطرة على المخازن والسلاح ومنع الفصائل من اتخاذ قرارات عسكرية مستقلة".

ويعتقد النور أن الخطر الأكبر يتمثل في "تحويل العراق تدريجياً إلى منطقة اشتباك إيرانية أمريكية"، موضحاً أن نجاح مجموعات مسلحة في تنفيذ عمليات خارجية انطلاقاً من العراق قد يفتح الباب أمام ردود مباشرة ويضع بغداد أمام مواجهة لم تخترها.