اخر الاخبار

بدأت شركات ومكاتب اقتصادية مرتبطة بفصائل عراقية مسلحة نقل جزء من ملكياتها وأصولها إلى أقارب قادتها ورجال أعمال موثوقين من قبلها، بالتزامن مع تصاعد الضغوط الحكومية لحصر السلاح واقتراب المهلة المحددة للفصائل.

وتهدف عملية النقل إلى فصل النشاط الاقتصادي قانونيًا عن الجهات المسلحة مع إبقاء السيطرة الفعلية عليه، وفق معلومات حصل عليها "إرم نيوز".

 

تغيير العنوان

وقال مصدر أمني عراقي، لـ"إرم نيوز"، إن العملية لم تعد مقتصرة على تغيير أسماء بعض الشركات، بل تشمل نقل ملكية عقارات وحصص في شركات إلى أشخاص لا يشغلون مواقع معلنة داخل الفصائل، وإغلاق مكاتب اقتصادية وإعادة تشغيل أنشطتها بأسماء تجارية جديدة.

وأضاف أن أموالًا بدأت تخرج من حسابات معروفة لدى الأجهزة الرقابية إلى حسابات وواجهات أخرى، فيما يجري فصل بعض شركات الصرافة "ورقيًا" عن شخصيات أو جهات مرتبطة بالفصائل.

وبحسب المصدر، لا توجد حتى الآن مؤشرات على تخلي الفصائل عن هذه الأنشطة أو تصفيتها، وإنما يجري تغيير العنوان القانوني للملكية، بحيث يصبح إثبات علاقة الشركة أو العقار أو الأموال بالفصيل أكثر تعقيدًا في حال تعرض قياداته أو مؤسساته لعقوبات أو إجراءات حكومية.

وتأتي التحركات قبل مهلة 30 سبتمبر/أيلول التي كانت حددتها حكومة علي الزيدي، لنزع سلاح الفصائل وحل تشكيلاتها ودمج عناصرها في مؤسسات الدولة.

وتقول "رويترز" إن نحو عشرة فصائل متشددة في "المقاومة الإسلامية في العراق" تضم مجتمعة قرابة 50 ألف مقاتل، لكنها راكمت أيضًا مصالح اقتصادية في قطاعات البناء والعقارات وشركات الصرافة.

 

إعادة تشكل

ولا توجد أرقام رسمية موثوقة تحدد القيمة الإجمالية لاقتصاد الفصائل العراقية، بسبب التداخل بين الملكية المباشرة والشركات الواجهة والنفوذ داخل مؤسسات الدولة، إلا أن الدراسات والعقوبات الأمريكية تكشف شبكة تمتد إلى المقاولات والعقارات والزراعة والنفط والمنافذ والصرافة.

وخلص تحليل نشره "تشاتام هاوس" في أغسطس/آب، إلى أن العقوبات والضغوط المالية لم تنه النموذج الاقتصادي للجماعات المسلحة، وإنما دفعته إلى إعادة التشكل والاعتماد بصورة أكبر على مصادر الإيرادات المحلية والنفوذ داخل مؤسسات الدولة.

ويشير التحليل إلى أن الجماعات المسلحة انتقلت تدريجيًا من الحصول على عمولات تتراوح بين 5 و30% من بعض العقود التي تذهب إلى شركات خاصة، إلى بناء شبكات تستطيع الحصول على العقود والاستفادة مباشرة من الإنفاق الحكومي.

وتكشف تقديرات أخرى حجم السوق الذي تتحرك داخله تلك الشبكات؛ إذ تصل عائدات عمليات تهريب النفط المرتبطة بشبكات مسلحة إلى نحو مليار دولار سنويًا، فيما تتحدث تقديرات عن مليارات أخرى تتولد من التهريب والرسوم غير الرسمية على التجارة والمنافذ، وإن كانت هذه الإيرادات موزعة بين فصائل وأحزاب ووسطاء وشبكات فساد ولا يمكن احتسابها جميعًا ضمن ثروة الفصائل.

 

واجهات تجارية

ويبرز النموذج الاقتصادي المرتبط بكتائب حزب الله العراقي بوصفه الأكثر وضوحًا في الوثائق الأمريكية.

فقد فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على "شركة المهندس العامة"، وقالت إن القيادي في كتائب حزب الله عبد العزيز المحمداوي "أبو فدك" يسيطر عليها، وإن الشركة تساعد في منح عقود حكومية لشركات مقابل الحصول على إيرادات.

وتعمل "المهندس" في قطاعات الإنشاء والهندسة والزراعة والصناعة والتعدين واستيراد المعدات، وبدأت برأسمال يبلغ 100 مليار دينار، وحصلت منذ تأسيسها على مساحات ضخمة من الأراضي الحكومية.

كما صنفت الخزانة الأمريكية شركة "بلدنا للاستثمارات الزراعية" باعتبارها واجهة تجارية لـ"المهندس"، واتهمت الشبكة بتوفير دعم مالي ومادي لكتائب حزب الله والحرس الثوري الإيراني.

ولا تعني ملكية هيئة الحشد الشعبي الرسمية لـ"المهندس" أنها شركة خاصة مسجلة باسم كتائب حزب الله، لكن العقوبات الأمريكية تعتبر أن قيادات مرتبطة بالكتائب تسيطر عليها وتستخدمها لمصلحة شبكاتها.

 

دعم إيراني

وتبدو البنية الاقتصادية لعصائب أهل الحق أكثر اعتمادًا على شبكة شركات ووسطاء من اعتمادها على كيان مركزي معلن.

وقد استهدفت وزارة الخزانة الأمريكية في مايو/أيار الماضي قيادات من عصائب أهل الحق وكتائب سيد الشهداء، ضمن عقوبات قالت إنها تستهدف شبكات تستغل قطاع النفط العراقي وتوفر موارد لإيران والفصائل المتحالفة معها.

أما كتائب سيد الشهداء، فقد أقر متحدث باسمها سابقًا بأن النشاط التجاري والاقتصادي يمثل أحد مصادر تمويل الجماعات المسلحة إلى جانب التبرعات والدعم الإيراني، من دون الكشف عن حجم الأموال أو أسماء الشركات.

ولا تتوافر بيانات موثوقة تسمح بتحديد قيمة مستقلة لما تملكه منظمة بدر أو النجباء أو سيد الشهداء، وهي فجوة تعكس طبيعة هذا الاقتصاد الذي يعتمد في جزء منه على رجال أعمال وشركات لا تحمل أسماء الفصائل.

 

منظومة أوسع

ويرى الباحث المتخصص في الاقتصاد الإقليمي يونس الكريم، أن التطور الأخطر لا يتعلق بحجم الأموال بقدر ما يتعلق بقدرة الفصائل على تغيير الشكل القانوني لملكيتها من دون التخلي عن المستفيد الحقيقي منها.

وقال الكريم، لـ"إرم نيوز"، إن "اقتصاد الفصائل لا يمكن قياسه من خلال الشركات المعروفة فقط، لأننا أمام منظومة أوسع تشمل العقود والمقاولين وشركات الصرافة والعقارات والوسطاء والنفوذ داخل مؤسسات الدولة، ولذلك فإن تتبع المستفيد الحقيقي أصعب بكثير من معرفة اسم مالك الشركة في السجل التجاري".

وأضاف أن "نقل الملكيات إلى أقارب أو رجال أعمال، وتوزيع الأصول بين شركات أصغر، يمكن أن يحول الاقتصاد المرتبط بالفصيل إلى شبكة تبدو مستقلة قانونيًا، بينما تبقى علاقات التمويل والسيطرة قائمة خلفها".

ويعتقد الكريم أن أي عملية جدية لتفكيك اقتصاد الفصائل "تحتاج إلى تتبع المستفيد النهائي من الشركات والعقارات والتحويلات، وليس الاكتفاء بالأسماء المسجلة، لأن تغيير الاسم أو المساهمين قد يستغرق أيامًا، بينما تبقى شبكة المصالح نفسها قائمة لسنوات".

وبينما تحاول بغداد الإجابة عن سؤال من سيملك صواريخ الفصائل ومسيّراتها بعد 30 سبتمبر/أيلول، يظهر سؤال آخر أكثر تعقيدًا مفاده؛ من سيملك شركاتها وعقاراتها وأموالها؟

وبحسب معلومات المصدر الأمني، بدأت بعض الفصائل الإجابة مبكرًا عن هذا السؤال بالفعل؛ عبر تغيير الأسماء والمالكين على الورق، قبل أن يصل مسار تفكيك السلاح إلى الإمبراطورية التي موّلته.