العربي الجديد
تواجه عملية "صولة الفجر" لملاحقة المتهمين بالفساد واعتقالهم وضبط الأموال المسروقة من الدولة، التي أطلقتها الحكومة العراقية برئاسة علي الزيدي، تحديات وتعقيدات تتمثل في بعض الضغوط السياسية عليها من أجل منع استمرارها بالوتيرة نفسها التي بدأت بها.
وقال مستشار قريب من رئيس الحكومة العراقية لـ"العربي الجديد" إنّ "العملية لم تتوقف، بل مستمرة، لكن وتيرة تنفيذ أوامر القبض بحق المتورطين تراجعت بفعل ملف حصر سلاح الفصائل، بالإضافة إلى التوترات الأمنية الإقليمية، والضربات التي وجّهتها السعودية والولايات المتحدة لبعض مقرّات الحشد الشعبي"، في 29 الشهر الماضي.
وعملية "صولة الفجر" هي أوسع حملة حكومية وقضائية أطلقت في العراق، 28 يونيو/حزيران الماضي، بقيادة الزيدي ورئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان، لملاحقة كبار الفاسدين، واسترداد المال العام المنهوب، وضبط شبكات الاختلاس والابتزاز. وأحرزت العملية تقدماً جيداً، فقد تجاوزت المضبوطات المالية والأصول نحو 141 مليار دينار عراقي (نحو 108 ملايين دولار) إلى جانب مئات الكيلوغرامات من الذهب، والعقارات، والأصول التجارية المخفية داخل المنازل والجدران والحفر.
دعم شعبي
أما الاعتقالات، فقد طاولت 50 شخصاً، بينهم مسؤولون كبار، ومسؤولون في وزارة النفط، ونواب في البرلمان رُفعت عنهم الحصانة. وانطلقت شرارتها باعتقال وكيل وزارة النفط لشؤون التصفية عدنان الجميلي، في 30 مايو/أيار الماضي، الذي اعترف على مسؤولين شاركوا معه في صفقات وعقود فاسدة، وحصلوا على مبالغ كبيرة تصل إلى ملايين الدولارات. وحظيت الحملة بدعم شعبي وتأييد جماهيري كبير، حتى إن مسيرات نظمها نشطاء خرجت في بعض المحافظات العراقية لدعم خطوة مكافحة الفساد الذي تغص به الدولة العراقية منذ الاحتلال الأميركي للبلاد عام 2003.
وبحسب المستشار العراقي فإن "الحملة ليست انتقامية حتى يكون عنصر إظهار القوة واضحاً كما يعتقد بعض المراقبين، بل هي حملة قانونية تستند إلى الاعترافات والأدلة، لذلك فإن المتهمين بالفساد والمعتقلين لا يزالون في وضع التحقيق والاعتراف، وقد اعترف الكثير منهم على أسماء مسؤولين وشخصيات قيادية بارزة، بالتالي فإن الخوض بتفاصيل معقدة تربك العمل السياسي لا يمكن فتحها في الوقع الحالي". وأكد أن "الوضع في العراق، وتحديداً بعد الضربات الأخيرة التي استهدفت مقرات للحشد الشعبي، من قبل السعودية وأميركا، أدت إلى تعقيد المشهد الداخلي، ومنحت بعض الفصائل المسلحة مبرراً لإعلان تمسّكها بسلاحها، وبالتالي فإن ملفات الحكومة العراقية تتأثر ببعضها البعض رغم أنها غير مرتبطة".
في السياق، قال النائب العراقي ياسر الحسيني إن "توقف العملية أو تراجعها سيتسبب في مشاكل تتعلق بالثقة بين الشعب المؤيد لمحاسبة الفاسدين، والحكومة التي شرعت بحملة صولة الفجر"، مرجحاً استمرار الحملة "إلى أن يجري وضع كل المتهمين والفاسدين في السجون، وينالوا جزاءهم وفق القانون العراقي". وبين الحسيني، لـ"العربي الجديد"، أن الحكومة العراقية "فتحت معركة لإنهاء الفساد في المؤسسات الحكومية ووقف هدر المال العام، وتعهدت بإيصال العراق إلى مرحلة التعافي، وهناك حاجة إلى حماية ودعم كل من يقدم البلاغات عن حالات الفساد وأية معلومات عن قضايا ترتبط بسرقة المال العام".
دعم واسع من القوى السياسية للحملة
من جهته، لفت الباحث في الشأن السياسي العراقي مجاشع التميمي، في حديث لـ"العربي الجديد"، إلى أن "هناك دعماً واسعاً من القوى السياسية لحملة صولة الفجر، بل وصلت حالة الدعم لمطالبة بعض الأحزاب بمحاكمات علنية للمتورطين بالفساد، وهذا يعني أن الحملة لن تتوقف، لكن الجهات السياسية التي تسعى إلى عرقلة مسار الحملة، على الأغلب تخشى المحاسبة، لأنه قد يكون لديها مشاكل تتعلق بالنزاهة". وأوضح أن "مكافحة الفساد تحتاج إلى دعم داخلي ودولي، وأن تأثيرات الأحزاب للضغط على رئيس الحكومة العراقية قد تنجح في مرحلة ما، لكن الوضع العام، وتحديداً الدولي، لا يسمح بأن يستمر الفساد".
خطوات الزيدي بمكافحة الفساد جيدة
واعتبر التميمي أن "خطوات الزيدي في مكافحة الفساد تعد جيدة حتى الآن، وأن الحملة، حتى تحقق مزيداً من النجاح عليها أن تستمر، لأن القطاعات العراقية في معظم مؤسسات الدولة مثل الخدمات والصحة والتعليم تأثرت بالفساد، وأغلب حالات الفساد مرتبطة بالعقود التي تُمنح عادة إلى واجهات سياسية ثم يجري تحويلها إلى شركات".
وتشير التقديرات غير الرسمية إلى أن إجمالي الأموال التي نُهبت جراء عمليات الفساد في العراق منذ 2003 تُقارب التريليون دولار. وفي فبراير/شباط الماضي، صعد العراق إلى المرتبة الـ140 عالمياً من أصل 180 دولة مدرجة في جدول قائمة الشفافية العالمية، فيما احتل المرتبة الثامنة ضمن قائمة الدول العربية الأكثر فساداً لعام 2024. وذكرت منظمة الشفافية العالمية في تقرير حديث أن "العراق حصل على المرتبة الـ140 عالمياً بـ26 نقطة متقدماً بثلاث نقاط عن 2023، وبالمرتبة الثامنة بين الدول العربية الأكثر فساداً حيث تقدمت عليه دول هي الصومال، وسورية، والسودان، واليمن، وليبيا، وإريتريا، ولبنان كأكثر الدول العربية فساداً".
ويعتبر ملف الكهرباء أبرز ملفات الفساد في البلاد، بأكثر من 60 مليار دولار مهدورة بين عامي 2003 و2023، جميعها اختفت دون تحسّن ملموس بالكهرباء، إذ لا تزال عقدة التيار الكهربائي تمثل أكبر التحديات في البلاد، فيما يُعد ملف "سرقة القرن"، المصطلح الذي أشيع بشأن اختلاس حوالي 2.5 مليار دولار (نحو 3.7 تريليونات دينار عراقي) من أموال الأمانات الضريبية التابعة للهيئة العامة للضرائب في وزارة المالية، بين 2021 و2022، عبر 247 شيكاً صُدّرت إلى خمس شركات تابعة لرجل الأعمال الذي تربطه علاقة جيدة ببعض الأحزاب المعروفة في البلاد، نور زهير، واحدة من أبرز قضايا الفساد التي أضيفت، لكنها طُمرت بعد إقرار قانون العفو العام، ولم تحدث أي محاسبة للمتورطين فيها.