أكد المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق أن ظاهرة عمالة الأطفال ما زالت تشكل واحدة من أخطر التحديات الاجتماعية والاقتصادية والحقوقية التي تواجه المجتمع العراقي، لما تسببه من انتهاك مباشر لحقوق الطفل المكفولة بموجب الدستور العراقي والاتفاقيات الدولية ذات الصلة، وفي مقدمتها اتفاقية حقوق الطفل واتفاقيات منظمة العمل الدولية.
وأضاف المركز في بيان أن عمالة الأطفال تتخذ أشكالاً متعددة، من بينها العمل في الأسواق والشوارع، وورش الحدادة والنجارة والميكانيك، ومواقع البناء، وجمع النفايات والمواد القابلة للتدوير، والأعمال الزراعية، والعمل المنزلي، فضلاً عن التسول المنظم الذي يُعد من أخطر أشكال الاستغلال الاقتصادي للأطفال. كما أن بعض الأطفال يتعرضون لأعمال خطرة تؤثر بشكل مباشر على صحتهم الجسدية والنفسية وتحرمهم من حقهم في التعليم والنمو السليم.
وأشار المركز إلى أن ظاهرة عمالة الأطفال لا تقتصر على الأطفال العراقيين فحسب، بل تشمل أطفالاً من جنسيات أخرى موجودة في العراق، ولا سيما من الأسر النازحة واللاجئة وبعض الجاليات الأجنبية المقيمة، الأمر الذي يستوجب تعزيز آليات الحماية الاجتماعية والرقابة القانونية لجميع الأطفال دون تمييز.
وأضاف المركز أن أسباب انتشار عمالة الأطفال تعود إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، أبرزها الفقر والبطالة وتدني مستويات الدخل الأسري، والتفكك الأسري، والنزوح الداخلي، وآثار النزاعات المسلحة، وضعف الحماية الاجتماعية، والتسرب من المدارس، فضلاً عن استغلال بعض أرباب العمل للأطفال بسبب انخفاض أجورهم وسهولة تشغيلهم خارج الأطر القانونية.
وأشار المركز إلى أن منظمة العمل الدولية ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) أعلنتا في أحدث تقاريرهـما لعام 2025 أن عدد الأطفال العاملين حول العالم بلغ نحو 138 مليون طفل خلال عام 2024، من بينهم ما يقارب 54 مليون طفل يعملون في أعمال خطرة تهدد صحتهم وسلامتهم ونموهم الطبيعي، الأمر الذي يؤكد أن عمالة الأطفال ما زالت تمثل تحدياً عالمياً كبيراً رغم الجهود الدولية المبذولة للحد منها.
وأشار المركز إلى أن أحدث البيانات والتقارير الدولية المتاحة بشأن العراق تشير إلى استمرار الظاهرة بمعدلات مقلقة، حيث تبلغ نسبة الأطفال العاملين ضمن الفئة العمرية (5-14) سنة نحو 4.8% من إجمالي الأطفال، فيما تبلغ نسبة الأطفال الذين يجمعون بين الدراسة والعمل نحو 4.2%، في حين تصل نسبة الالتحاق بالتعليم إلى 78.4% ضمن هذه الفئة العمرية. كما تتركز عمالة الأطفال في قطاعات الزراعة والبناء والورش الصناعية والحرفية الصغيرة، وجمع النفايات، والعمل في الشوارع والتسول والعمل المنزلي، وهي أعمال تعرض الأطفال لمخاطر صحية ونفسية واجتماعية جسيمة.
وأضاف المركز أن هناك ارتباطاً وثيقاً بين عمالة الأطفال وجريمة الاتجار بالبشر، إذ تستغل بعض الشبكات الإجرامية الأطفال في أعمال السخرة والتسول القسري والاستغلال الاقتصادي والعمل القسري، وقد تتحول بعض حالات عمالة الأطفال إلى جرائم اتجار بالبشر عندما يتم استغلال الأطفال أو نقلهم أو إيواؤهم أو تشغيلهم بصورة تنتهك حقوقهم الأساسية لتحقيق منافع مالية غير مشروعة. كما أن الأطفال العاملين في الشوارع والأماكن غير المنظمة يكونون أكثر عرضة للاستغلال والعنف والاتجار والاستغلال الجنسي وسائر أشكال الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.
وأكد أن عمالة الأطفال لا تمثل مجرد مخالفة قانونية لأحكام التشريعات الوطنية والاتفاقيات الدولية، بل تشكل انتهاكاً خطيراً لحقوق الإنسان وتهديداً مباشراً لمستقبل التنمية المستدامة في العراق، إذ تؤدي إلى زيادة معدلات التسرب المدرسي والأمية والفقر وإعادة إنتاج الحرمان الاجتماعي عبر الأجيال.
وطالب المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان الحكومة العراقية ومجلس النواب والجهات المعنية بتشديد الرقابة على أماكن تشغيل الأطفال، وتفعيل النصوص القانونية الخاصة بحماية الطفل، وتطبيق العقوبات بحق المخالفين، وزيادة برامج الدعم الاجتماعي للأسر الفقيرة، وتوسيع مظلة الرعاية الاجتماعية، وإعادة الأطفال المتسربين إلى مقاعد الدراسة، وتعزيز إجراءات مكافحة الاتجار بالبشر، وإطلاق استراتيجية وطنية شاملة للحد من عمالة الأطفال وحماية الطفولة بما ينسجم مع التزامات العراق الدولية في مجال حقوق الإنسان.