وكالات
أظهر الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، حدود سلطته القسرية بعد أسابيع من "المطالب الجريئة" تجاه جزيرة غرينلاند الاستراتيجية، والتي سيمثّل الاستيلاء عليها "أكبر استحواذ أمريكي على أكبر قطعة أرض في التاريخ"، بحسب تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز".
وفي مؤتمر دافوس الأسبوع الماضي، وفي خطاب ألقاه أمام نخبة العالم في المنتدى الاقتصادي، كرّر ترامب مطالبه "المتطرّفة" في شراء غرينلاند، الجزيرة الجليدية التابعة للدنمارك، لكن نبرة من دون نبرة "الغزو والقوة" التي ردّدها طوال أسابيع من البيت الأبيض.
وقال ترامب مخاطباً الأوروبيين في المنتدى "نريد قطعة الجليد (جزيرة غرينلاند) لحماية العالم"، مضيفاً بنبرة تهديدية أقل حدة من خطاباته السابقة "بإمكانكم الموافقة، وسنكون ممتنن للغاية، وبإمكانكم الرفض أيضاً ولن ننسى ذلك".
وترى "نيويورك تايمز" أن إصرار ترامب كان واضحاً أنه "يختبر حدود التحلف الأطلسي"، معتبراً أن تسليم غرينلاند "ثمن زهيد يدفعه الحلفاء الأقل قوة مقابل الحماية الأمريكية".
لكن هذا النهج المبني على الترهيب والإبقاء على الخصوم في حالة عدم توازن، ساعد ترامب في صفقاته التجارية في نيويورك، إلا أنه بات يواجه تحديات أكبر في الدبلوماسية الدولية، بحسب الصحيفة الأمريكية.
وكان ترامب وجّه للغرب موجة التهديدات مثل حملاته السابقة ضد المكسيك والصين لإجبار حلفائه على التنازل، فهدد بفرض دفعة جديدة من الرسوم الجمركية على النمارك ودول أوروبية أخرى؛ ما أثار انهياراً مفاجئاً في الأسواق العالمية، لكنها جوبهت هذه المرة بردود فعل عنيفة.
صحوة الخميس
مع عودة ترامب إلى واشنطن مساء الخميس بدأت أول خطوات التراجع واكتشاف حدود السلطة القسرية، بحسب "نيويورك تايمز"، تزامناً مع رفع أوروبا صوتها في التساؤل عن مصداقية الولاية المتحدة كشريك موثوق. وفي تغريدة على مواقع التواصل أعلن الرئيس الأمريكي عن "إطار عمل لاتفاق مستقبلي" بعيداً عن فكرة الملكية الكاملة.
وعلى متن طائرة "إير فورس ون"، اقترح ترامب أيضاً عقد إيجار لقواعد عسركية موسعة في غرينلاند مع "مدة غير محدودة" تسمح للوليات المتحدة بـ "فعل ما تشاء"، بما في ذلك دعم مشروع "القبة الذهبية" للدفاع الصاروخي.
كما وصف الرئيس الأمريكي هذا الترتيب الجديد بأنه "صفقة أكثر سخاء بكثير" من معاهدة 1951 الحالية، التي تمنح الولايات المتحدة حقوقاً غير محدودة تقريباً في نشر قوتها هناك، وهو ما اعتبرته "نيويورك تايمز" تراجعاً وضحاً بدا كأنه محاولة لإنقاذ "ماء الوجه" بعد فشل الضغط القسري.
لماذا تراجع ترامب؟
ترى "نيويورك تايمز" أن ذلك يعود إلى تفاعل عوامل متعددة، أبرزها "الضغط الاقتصادي العالمي"؛ إذ إن انهيار الأسواق الذي يلفت انتباه ترامب دائماً، أجبره على إعادة التفكير، خصوصاً مع اعتماد اقتصاد الولايات المتحدة على التجارة مع أوروبا.
عامل الضغط الثاني تجلى في الاعتراضات العلنية من الحلفاء، مثل الدنمارك التي أكدت مراراً رفضها لبيع غرينلاند، مهما كان الثمن، وكذلك قادة أوروبيون آخرون رأوا في التهديد انتهاكاً للنظام الدولي ما بعد الحرب العالمية الثانية.
أما العامل الثالث فيعود إلى الاعتبارات الداخلية؛ إذ وجد ترامب نفسه أمام واقع يتجاوز قدراته القسرية، خاصة مع تاريخ الدنمارك في رفض تلك الصفقات، وهو ما كان يعني أن الرئيس الأمريكي كان سيدفع مقابل طموحه ثمناً كبيراً داخلياً وقد يلحق الضرر بالنظام الذي صممته واشنطن نفسها بعد الحرب العالمية الثانية والذي منع الصراعات بين القوى العظمة لثلاثة أرباع قرن.