يمثّل الأدب الياباني رافداً مهمّا واستثنائيا في الأدب العالمي، وفي كل الاجناس الأدبية كالشعر والقصّة والرواية والنقد، ويعكس هذا الابداع على مدى الأزمنة والمراحل خصائص الفكر والابداع الياباني وتمسّكه وتعبيره عن روح اليابان وتقاليدها وإرثها الحضاري والإنساني المتميّز، وهو أدب لم يشع لدينا مثل بقية الآداب، وعلى الرغم من العطاء المؤثر والتجربة الناضجة ما زالت المكتبة العربية تفتقر الى الدراسات والكتب والترجمة التي تتناول هذا الأدب العميق والثرّ، وعلى وفق هذا المسار يقدّم الباحث (د.عمران الخياط) تجربة غنيّة ورصينة يتناول فيها معالم الادب الياباني في كل حقول الإبداع، إذ يرفد بها المكتبة العربية، ويكشف عن تاريخية هذا الأدب وجذوره وعوامل نشأته وتحوّلاته وتأثرّه بالأحداث التاريخية والسياسية والحضارية، ويقدّم دراسة عن رواد الأدب الياباني شعراً ورواية وقصة ونقداً، وهذا جهد طيب من (د.عمران) وهو يعرّفنا بأدب غائب عن متناولنا واهتمامنا، ويتسم الكتاب بالدقّة، إذ يمثل ببلوغرافيا تعين الناقد والمثقف والأديب والدارس العربي في الإفادة من معطيات المنجز الياباني، وتعينه أيضاً على الاطلاع على كلّ أبعاد الحياة والحضارة والشعب الياباني وخصائصه وسماته، واصراره على تشكيل الهوية المعرفية والجماليّة وكيفيّة توظيف الأدب كأحد روافد العقل الياباني الذي حقّق طفرات إعجازيّة مذهلة في ميدان العلوم والتكنولوجيا، وأصبحت اليابان مركزاً مؤثّراً من مراكز الحضارة التكاملية التي تمزج التقاليد والروح المحليّة مع فكر الحداثة ومسارات العصر والتطور العلمي مما زاد من حضورها وتأثيرها كبلد ينافس أكبر الدول في الابداع الأدبي والتكنولوجي، وقوّة اقتصادية وعسكرية لا يستهان بقدراتها وامكانياتها المتميّزة.
كما يقدّم الباحث صورة للمؤثرات والينابيع التي استمدّ الأدب الياباني منها عناصر تكوينه وهو جهد ليس هيناً فيقول: "يستمدَّ الأدب الياباني قوته الأدبية من عدّة مصادر مختلفة كالمؤثرات الكلاسيكية الصينّية القديمة، ومن السمات والخصائص العريقة للتقاليد اليابانية ذاتها.." (الادب الياباني: 11)، فالخياط وبكل دقة يعرض تاريخ الأدب على وفق التقسيم على مراحله، واللاّفت أنّ مراحل الأدب ارتبطت بأسماء المبدعين اليابانيين أكثر من ارتباطها بالتقسيم التقليدي المرتبط برؤية الغرب الذي قسمّ الأدب الى مراحل ارتبطت بالتاريخ الغربي مثل الكلاسيكية والواقعية والرمزية والتعبيرية والسيريالية والدادائية، لكنّ الأدب الياباني يخضع للكثير من المؤثرات والينابيع، ولا يقتصر تأثره بالأدب الغربي بل يتسم بقوّة اتّصاله بتاريخه وحضارته وتراثه وتقاليده المحلّية، وأبعاده الحضارية والإنسانية.
وقد أشار (الخياط) إلى مثل هذا التصوّر في الكثير من مظان الكتاب وفصوله المتعدّدة، فاليابان انتجت تقاليد الساموراي والشجاعة الفائقة، وهي صورة لهذه الروح المحلّية المتوهجة والمتصاعدة، ولعلّ استهداف الاميركان من طياري (الكامكاز) وواقعة (بيرهاربر) تمثّل ذروة من ذرى الاعجاز الياباني واستلهام الروح والتقاليد والهوية، ولذا نجد صورة الساموراي الأدبي لاسيما ساموراي الرواية متمثّلاً بأعظم روائيي العالم، وساموراي (الهايكو) الذي عرف به الشعر الياباني وتميّز به، وهي مقطوعات أو فن شعري قائم على الاختزال والإيجاز ويقوم على تناول الطبيعة، وخلق الحوارات الفلسفية والوجودية والإنسانية من خلالها.
ولعلّ منهجية الكتاب وتأطّرة بالجهد التوثيقي وتقديم موسوعة للشعراء والروائيين والنقّاد على شكل ببلوغرافيا، وسير شخصية، لم يتطرّق الكتاب إلى جوانب أخرى ما عدا استعراض تاريخي سريع، مع الاشارة السريعة إلى أهم خصائص الأدب الياباني أعني اهتمامه بالتقنيات وأساليب التعبير والصياغة مع اقترانه بالدأب على ترجمة روح اليابان وتجسيد الفكر بالإتصال مع الفلسفات والديانات القديمة القائمة على التفلسف والتأمل الوجودي، وخلق صورة استثنائية للإنسان، والتشكيل المتفرّد وقوة الاستبصار العميق، وبناء الحياة، وقد اتّسم الأدب الياباني أيضاً باهتمامه بالبعد السايكولوجي وتأمّلات الحكمة التي اتسمت بها الديانات الوضعية ولم يكن اهتمامه بالغرب على شكل نسق إتباعي قائم على الانبهار، بل كان يجسّد نوعاً من التحدّي وروح الموازاة والنظر الى الآخر بوصفه أحد ميكانزمات تشكيل الهوية.
يورد الكاتب آراء حول إحالة الأدب الياباني لاسيما في مرحلة حكومة
(طوكو جاوا) فيقول: "كانت الحياة أكثر استقراراً في الفترات السابقة وكان المفهوم السياسي لحكومة (طوكو جاوا) يقوم على أساس المبادئ الكونفوشيوسية الصينيّة، ومن جانب آخر ازدهرت الكلاسيكيات اليابانية بين العلماء جنباً إلى جنب مع هذه الفلسفة.." (الكتاب: 18).
ويمثّل شعر الهايكو أحد المنجزات في الابداع العالمي وانتقلت إلى أقصى الشرق والغرب، ومثّلت لوناً من الشعر الذي يتّسم بالروح الإنسانية والحوار مع الطبيعه، ويورد (الخياط) تتبّعا تاريخياً لنشوء هذا الفن الشعري قوله: "الهايكو قالب شعري قصير يختلف عن (التانكا) و(الرنجا) إذ يتألف من سبعة عشر مقطعاً في ثلاثة أبيات، وقصيدة (الهايكو) تتضمن غالباً فصلاً من فصول السنة او قرينة تدل على هذا الفصل يجعل قارئه يستحضر الطقس والنبات وأوراقه والطيور، ويوقظ فيه المشاعر والأحاسيس التقليديّة تجاه الطبيعة، ومن أشهر شعراء الهايكو الشاعر (ماتسواو باشو) الذي أرسى قواعد (الهايكو) كشكل شعري ورفع هذا الشكل الى قمّة الجمالية، ويقال عنه أعظم شاعر (هايكو) في تاريخ الشعر الياباني" (الكتاب: 18-19).
ولضيق المساحة التي تحتّم علينا الاشارات السريعة إلى الكتاب إذ لا تتيح الرصد والاستعراض الكلّي، ولذا سنشير الى ما قدمه (الخياط) حول خصائص الرواية اليابانية التي تمثّل أنموذجاً يحتذى في الأدب العالمي بأكمله، وقد تناول الباحث سيرة أبرز الروائيين مع الإشارة الى أعمالهم وخصائص تجربتهم، وأساليبهم، ويصف الباحث التجربة الروائية "بأنها عمل عالمي وصالح في كل المجتمعات الشرق الأوسطية.." (الكتاب: 88).
ويتناول الكاتب سيرة الروائيين في القرن العشرين وذلك جهد يحتسب له إذ أنار لنا الطريق إلى فهم الأدب الياباني الروائي وذكر منهم (موري اوغاي)، و(توسون شيمازاكي)، و(ياسوناري كاوباتا) و(يوكيو ميشيما). و(تيسيو ميسورا) و(تاكو ميكي) وغيرهم، وقد حقّق (د.عمران) سبقاً في رصد الرواية وروادها بجهد متميز. وتناول الباحث أيضا السيرة الذاتية لشعراء اليابان في القرن العشرين، وخصائص كلّ شاعر، وطبيعة تجربته مثل الشاعر (كيوش تاكاهاما)، و(سالتوكا تايندا) و(كاكيو توميزاوا) و(ناثاو ساكاكي)، و(ماكوتو اووكا) وغيرهم الكثير، وقام الباحث بتوثيق نماذج من شعرهم، وتطرّق أيضاً إلى النقد الأدبي الياباني، وقدّم سير أبرز النقاد والرؤى والاستراتيجيات التي اعتمدوها في الممارسة والابداع النقدي، والكتاب موسوعة بحق على صغر حجمه، وفضاء بانورامي لأدب اليابان الثر والعميق والمتفرد.