اخر الاخبار

الاستذكار ليس سوى ماضٍ يُستعاد، لكنه لا يكون استعادةً للماضي أحياناً، بقدر ما هو استدعاءٌ لجرحٍ لم يندمل. ثمانية عشر عاماً مرّت على اغتيال المثقف العراقي كامل شياع، الذي غاب برصاصٍ غادر في الثالث والعشرين من آب عام 2008، لكن غيابه لم يتحول إلى صفحةٍ مطوية في كتاب الذاكرة. ما زال اسمه حاضراً، لا بوصفه ذكرى شخصية فحسب، وإنما بوصفه سؤالاً مفتوحاً عن مصير المثقف في بلدٍ ظلّ الرصاص فيه، زمناً طويلاً، أعلى من صوت الكتاب.

ربما خفتت الصدمة الأولى، وربما اعتدنا، للأسف، على أخبار الموت حتى صار بعضها يمرّ في الذاكرة مثل خبرٍ عابر. لكن أثر الجريمة بقي قائماً. فمقتل كامل شياع لم يكن فقداناً لإنسانٍ وحسب، بل كان اعتداءً على معنى آخر: معنى أن يكون المثقف صاحب موقف، وأن تكون الثقافة مجالاً للحوار والاختلاف والحرية، لا ساحةً للوصاية والإخضاع.

كان كامل من اولئك الذين تقاسمتهم المنافي بعد أن عجز الوطن من احتوائهم في حقبة مزّقت الديكتاتورية أوصال المجتمع، وانتهكت الحقوق والحريات، وبات المنفى وسيلة القادرين على النجاة، لكن العودة المحمّلة بالأحلام إلى الوطن لم يتسن لها أن تؤسّس لوجودها الجديد.

هل كان كامل شياع مستهدفاً لأنه مثقف؟

ربما لا تكمن الإجابة في تفكيره، ولا موقعه في وزارة الثقافة وحدها، وإنما في ما كان يمثله. فالمثقف الحقيقي، حين يرفض أن يتحول إلى تابع، يصبح مصدر قلق لكل سلطة تريد من الثقافة أن تكون صدىً لها. الثقافة التي لا تسأل، ولا تعترض، ولا تكشف التناقضات، يمكن تدجينها بسهولة. أما الثقافة التي تحتفظ بمسافتها النقدية من السلطة، أياً كانت السلطة، فإنها تظل عصيةً على الترويض.

نحن نعرف من قتل كامل، ونعرف لماذا كان موته مكسباً لمن يخاف من صوت الثقافة. وربما لا نحتاج اليوم إلى إعادة سرد تفاصيل الجريمة بقدر ما نحتاج إلى تأمل ما تركته وراءها. فالقاتل لا يقتل الجسد وحده.

لكن المفارقة أن الرصاص يستطيع أن يسكت الإنسان، ولا يستطيع أن يسكت السؤال.

هنا تكمن أهمية استذكار كامل شياع اليوم. لنذكّر أنفسنا بأن الثقافة العراقية لم تتحرر تماماً من أحابيل السياسة. ما زالت السلطة، بأشكالها المختلفة، ترغب في ثقافةٍ موالية، وفي مثقفٍ يمكن استدعاؤه حين تحتاج إلى صوته، وتصفيقه، وشرعنته. وفي المقابل، ما زالت الثقافة نفسها تعاني من إرثٍ طويل جعل بعض المثقفين يخلطون بين الدور الثقافي والدور السياسي، حتى بات من الصعب أحياناً الفصل بين المثقف الذي ينحاز إلى قناعاته، والمثقف الذي يتحول إلى أداة في يد جهةٍ ما.

ليست المشكلة في أن يكون للمثقف موقف سياسي، المشكلة تبدأ حين تتنازل الثقافة عن استقلالها، ويصبح المثقف تابعاً لمشروعٍ سياسي لا يرى في الثقافة سوى وظيفةٍ أو واجهة. عندها تفقد الثقافة جوهرها النقدي، ويتحول المثقف من ضميرٍ يسائل السلطة إلى موظفٍ في خطابها.

كان كامل شياع ينتمي إلى ذلك النوع من المثقفين الذين رأوا في الثقافة فعلاً مدنياً، وفي الحرية شرطاً لوجود المجتمع السليم. مشكلته، وربما مأثرته أنه مزج بين المثقف المحايد العقلاني وموضوعيته النادرة وبين المثقف العضوي، كان يخطط برؤية مستقبلية منفتحة على آفاق معرفية وتجارب فكرية جديدة.

بعد ثمانية عشر عاماً، ما زالت أصوات الرصاص عالية في ذاكرتنا، وما زلنا نخشى غدرها. وربما لهذا لم نستطع أن نغلق ملف كامل شياع. فحين لا تنتهي الأسباب التي صنعت الجريمة، لا تنتهي الجريمة نفسها. وحين تبقى الثقافة محاصرةً بين سطوة السياسة وخوف العنف وإغراء السلطة، فإن سؤال كامل شياع يظل قائماً:

ماذا فعلنا كي لا تتكرر الجريمة؟

إن الوفاء لكامل شياع ، أن نخلق مناخاً لا يخاف فيه المثقف من أفكاره، ها هو واحد من ضحايا الحلم الثقافي والإنساني يسلمنا لوحشة رحيله، وخسارتنا الفادحة انه اختار الزمان الخطأ لتحقيق الحلم . لأن الأرض ما عادت تتسع لنزاهة الحالمين!

في الثالث والعشرين من آب، نستذكر موت كامل شياع مع امنيات متواضعة: أن لا يكون فيها الرصاص هو اللغة الأخيرة.

والفكرة التي عاش من أجلها تظل قادرةً على النجاة.