اخر الاخبار

ثمة من يتحدث عن الشعر وكأنه ترفٌ ثقافي، وثمة من يراه جزءا من ذاكرة ثقافية هرمة، لم تحفظ تاريخها الحكواتي الا عبر الشعر، وثمة من يجعله جزءا من وظيفة الايديولوجيا والمنبر والمؤسسة وهو التوصيف الأخطر للشعر، لكن ذلك لا يعني تأطير الشعر بأحكام قسرية، ولا بمعيار سمتري، بل يكون أكثر ادهاشا عبر تعالقه بحرية الفكر، وبجدة الرؤية وفاعلية الوسائط التي تُعطي للشعر قوة الاختلاف، وحساسية التجاوز، والقدرة على الوعي بأن اللغة هي فضاءٌ حرٌ للتشكل، والتغاير..

ما حفل به تاريخنا الشعري من تحولات ومن صراعات، لم تجعله بعيدا عن الحياة ذاتها، ليس لأن الشعر جزء من سيرة المنبر، أو من لغة الجماعة، بل لأنه وجود مختلف، أو كما يقول ادونيس هو رغبة ب" زعزعة السائد وتغيير الوعي، عبر لغة متجددة تكسر القواعد الجامدة، وتمنح الشاعر حرية خلق المعنى الخاص به"

هذا التوصيف لن يضع الشعر خارج الاستعمال، وبعيدا عن الافكار التي تتسع للاستدلال، والتحول ومواجهة ازمة حرية الانسان في عالم رمادي، أو في حرب تتضخم لاقصائه، بل إن الشعر يظل تمثيلا لشهوة الكائن وشغفه بالتعرف على ذاته/ كينونته، وأن تكون القصيدة بحدسها الرؤيوي رهانا على أن جمال العالم هو جزء من جمال اللغة، وأن الذهاب بالشعر الى التأويل سيكون ترجيحا لكفة الجمالي، واعطاء الشاعر مجسّ الرائي، الذي تتبدى بين يديه الاشياء وكأنها مهووسة بصخب تحولها بين الحضور والغياب، أو بين المسافة والانصهار، حيث يظل هاجس الاكتشاف هو الجهة التي يلجأ اليها الشاعر، ليس للاشباع الرمزي والحسي فقط، بل لممارسة طقوس خرق المرئي والثابت الى العابر والمتحول، وعلى نحو تكون فيه "الشعرية" هي عصب اللغة، وهي السؤال الوجودي الذي يزعزع يقينيات التاريخ، تماهيا مع دهشة الاكتشاف، ومع لذة تلّمس الاشياء، الجسد، الزمن، الاستعارة، توقا الى الاحتشاد بالرموز والمجازات، حد التوله بها عبر الكتابة، وعبر الاغواء بكشوفاتها.. 

من الصعبِ عزلِ الشعرِ عن كل هذا، والتوّهم بتحويل اللغةِ الى جهازٍ للتصويتِ فقط، فالشعرُ يظلُ لعبةً ساحرةً في اشهار ذلك الاغواء، وفي تمثيل أيّ حساسيةٍ لمراجعةِ اللغة، وحتى في إعادة تأهيل تلك اللغة لكي تمارس صلاحيات أخرى، يدخل فيها الحب والكراهية والعنف الرمزي، مثلما يدخل فيها الاخفاء والتورية، فالهروب عبر اللغة هو اختبار شعري، والاختباء في استعارتها يظل جزءا من حيوية الشعراء الشطّار..

وضع الشعر إزاء اسئلة العصر الحديث لا يعني دفع الشاعر لأن يكون مطرودا، وأن يتوهم عدم صلاحية القصيدة للثورة، والتجاوز، ومناكفة العالم الغامر بالتحولات الكبرى، بقدر ما يكون الأمر تمثيلا لتغييرٍ في "عدادات" الكتابة، وفي توظيف منظور آخر لها، عبر تجديد وظائفية الوسائط والأدوات، وعبر إعادة النظر بالأفكار، فالشاعر ليس امبراطورا عاريا، والشعر ليس معطفا كاذبا، بقدر ما يكون دخوله الى "الزمن السياسي والزمن النفسي والزمن اللغوي مرهونا بالبحث عن طرقٍ أو اغطية، وتأمين علاقة متعالية للوعي مع جدّة الكتابة، وبقدرتها في أن تكون على تماس حيوي مع الحياة والجسد واللغة، وبالاتجاه الذي يجعل من "الشعر" جزءا من فاعلية التحول الاجتماعي، ومن خطابه ووسائل تعبيره..

هذا الأمر ليس سهلا، لأن الشعر كائن تاريخي، وعالق بذاكرة الزمن والمكان، وعملية نزعه عن هذا التعالق سيكون رهانا حقيقيا على معرفة مدى فاعلية الشاعر في التمرد على وجوده، مع الاحتفاظ برصيده "البلاغي" والثقافي، وفي أن يظل مؤثرا ومتأثرا بالعالم الذي يتغير من حوله، وبكل المغامرات التي باتت تنزع عن الشاعر سمة البطل، وتتركه لسلطة صاحب تطبيقات "الذكاء الاصطناعي".

مقاومة الشاعر الواعية واصراره على المكوث بالمعنى الهيدغري هو الذي سيجعله أكثر مفارقة في وعي علاقته ب"العصر الحديث" وبالآخر، وحتى بمهيمنات اللغة التي باتت تخرج من التطبيقات، ومن سحرية الدكاء الاصطناعي، اكثر من خروجها من القواميس والأمالي، ومن كشاكيل الشعراء والفقهاء والصوفيين الذي مازالوا يؤمنون بأن الشاعر هو صانع الزمن عبر اللغة...