اخر الاخبار

قد يبدو صعبا الحديث عن "الأغنية اليسارية" بالوصف الفني، أو بالوصف السياسي، لكن الحديث سيكون مقبولا بالوصف الثقافي، لأن اليسار العراقي اعطى للموسيقى قوة وجودية، وللأغنية حضورا جعلها جزءا من خطابه، ومن رهانه على حيوية وقوة الأفكار، من حيث اقترانها بقوة الأفكار وخطابها، وبأهميتها في مقاربة هواجس النضال الاجتماعي والسياسي والطبقي، فضلا عن حمولاتها الثورية والنفسية التي يمكن أن يستبطنها الفن في تمثيله الاجتماعي والأنثربولوجي.

كوكب حمزة من أكثر الفاعلين في تمثيل هوية هذه الاغنية، في اسلوبها اللحني، وفي اختيار كلماتها، وفي التعبير عن جدّتها، وعن ربط حمولاتها بثيماتٍ ليست بعيدة عن توهجات الوجدان العراقي، حيث الاحالات الرمزية الى الوطن والحب والناس والحبيبة والغربة والموت والحلم والحرية، وهي احالات تحمل معها بعدا ثقافيا واضحا، وبعدا جماليا وتاريخيا، استثمره كوكب حمزة عبر تمثيل الموروث اللحني، وعبر استلهام ما يغور عميقا في "السيرة العراقية" من الشجن الحسيني، ومن المقامات الشرقية التي تثير الحزن مثل "النهاوند والكرد" وشيء من "البيات والحجاز" وهو ما وظفه حمزة في تلحين  اغنية "يا نجمة" التي استغرقتها توظيفات مقام البيات و"المرابط" ذات الأصول العراقية القديمة، وهو ما اكسبها طابعا حميميا من خلال المزج بين الطابع الفلوكلوري وبين خفة اغنية المدينة وطراوتها اللحنية..

هذا المُركّب اللحني حمل معه حساسية تجديدية، فيها من المفارقة عن "النمط الريفي التقليدي" ما فيها من تنغيمات الفرات الأوسط، حيث المزاج بين لحنية المراثي والشجن الحسيني، وبين لحنية الحنين، وتوظيف ثيمة استدعاء الغائب، فضلا عن عمّا استثمره كوكب حمزة من  ثقافته الاكاديمية، لتمنح الحانه اضافات نوعية، وخصوصية لحنية، انفتح من خلالها على توظيف منهجي وعلمي للمقامات والبنيات الصوتية، فجعلته أكثر انشغالا بالتجديد، وبفرادة التميز، وتخليص الجملة اللحنية من التكرار والرتابة..

تواشج الخصوصية اللحنية عنده مع الجملة الشعرية، تكرس عبر التمثيل الحسي للأغاني التي لحّنها، لا سيما مع شعراء لهم حساسيهم في صياغة "القصيدة المغناة" ذات الحمولة الرمزية والسياسية، مثل كاظم الركابي وزهير الدجيلي و رياض النعماني ومظفر النواب، إذ اعطته هذه الخصوصية مساحة نفسية للاستغراق في توليفات موسيقية، ليست بعيدة عن روح التراث الجنوبي، ولا عن حساسية الأغنية "العاطفية" بجمالية تركيبها، فكانت اغاني "يا نجمة" و" يا طيور الطايرة" و" امشي واكول اوصلت" ذات تشكلات لحنية، تحولت الى ما يشبه "الاناشيد الوطنية" للشعب، ولليسار العراقي بشكل خاص، فبقدر خلوها من الزخرفة، الا أنها كانت محتشدة بحسية عالية، وبأصوات عميقة، تنمو مع تصاعد النغم الذي اكتسب هويته من خلال وعي كوكب للمدرسة المقامية الشرقية، وللمخزون النفسي واللحني في الأغنية العراقية..

 الحان كوكب حمزة ذات المزاج اليساري لم تكن "تعبوية" لا بالمعنى الايديولوجي والثوري، ولا بالشكل الاستعراضي، إذ حفلت بوجدانية عالية، وبانحياز واضح لروح الشعب الذي ادرك أهمية الاشباع الموسيقي، في تمثيل اسفاره الانسانية والنضالية والطبقية، وفي اعطاء الاغنية حضورا لتكون وسيلة ناجعة من وسائل البوح، والاشباع النفسي، وعلى نحوٍ تحولت فيه تلك الاغاني الى شفرات في تمثيل الوعي الوطني، والحلم الثوري، لاسيما لحنه لأغنية " امشي وأكول اوصلت" للشاعر "ابي سرحان" حيث اعطى اللحن قوة رمزية دافعة لتفجير الصراع الداخلي، بين المسار والوصول، وعبر تناغم لحني اعتمد فيه مزاوجة ما بين مقامات الحسيني والحجاز والبيات، امتد فيها الصوت غامرا، وكأنه يتوهج بنداء داخلي، مهجوس بالوصول في "الكنطرة" العابرة للعالم الدوستوبي المسكون بالعنف والاستبداد والطرق المقطوعة، وكذلك أغنية "يا طيور الطايرة" للشاعر زهير الدجيلي، التي تحولت الى "زمن موسيقي" عراقي له احالاته الرمزية والوطنية الكبيرة، وله دلالاته في مواجهة اسقاطات الغربة والمهجر والفقد والحزن، واستعادة روح الحنين عبر لغة غامرة بالعمق التعبيري، وبقدر ما كان اللحن قريبا من "البيات" ذات الدفق المليء بالحنين والدفءـ

فإنه تدرج كع تنامي استثارة الوجدان، عبر تواشج الجملة الشعرية مع الجملة الموسيقية، حيث يتحول "التصعيد العاطفي" الى مؤشر نفسي، في الاثارة، وفي التلوين الموسيقي والنفسي..