يمكن للقارئ أو الناقد، أن يمرّ على عددٍ كبيرٍ من الأعمال الأدبية العربية، التي يشتمّ منها رائحة التصوف، من خلال الموضوع والمعجم اللغوي والتراكيب، لا بل إنّ هناك شعراء وروائيين، كلما ذكروا في محفل أو ندوة تمّ وصفهم بأنّهم من المتصوّفين، فيقال فلان شاعر صوفي، وفلانة روائية صوفية، وبالطبع ظهرت هذه الموجة من الكتابات وأصحابها بشكل أساسي بعد نشر أعمال الحلاج في طواسينه، والنفّري في المواقف والمخاطبات، ومن قبلهم الشيخ الأكبر ابن عربي في رسائله، ونصوص حكمه، وفتوحاته المكية وغيرها.
لقد أصيب عدد كبير من الشعراء الحداثيين العرب، بدهشة لا مثيل لها، وهم يقرؤون نصوصاً مكثفة بلسان عربي مبين، كتبت قبل ألف سنة أو يزيد، ولهذا ظنّ بعضهم أنّ جذور قصيدة النثر تعود إلى هناك، وهذا في رأيي تلبيس غير مقنع، فالسياقات التي نشأت فيها قصيدة النثر العربية الحديثة، منذ أكثر من نصف قرن، وتأثرها بالتجربة الشعرية الغربية والترجمات، تختلف تماماً عن تلك الحالات التي مرّت بها لغة المتصوفة، عبر انشغالها بالترميز العالي، والإشارات بدل العبارات، من أجل التُّقية في الأساس، فلغة المتصوّفة المسلمين ذهبت إلى أقصى درجات التورية والتّخفية والتكثيف، لأنّها في الأساس لغة الباطن لا الظاهر، واللامرئي واللاملموس، ثم إنّ أهل الظاهر من المسلمين قاوموا التصوف وأهله بشدة، ويكفي أن نطلع على مأساة الحلاّج وصلبه، لنعرف كم كان الأمر صعباً على أهل المعارف الباطنية والتجليات الإلهية، أن يتواروا خلف حُجب الكلمات ومعجم "مصطلحات القوم" كما يطلقون عليه.
إنّ فتنة اللغة الصوفية وتقنيات نصوصها، قد استهوت عدداً من الكتاب العرب لينسجوا علي منوالها، ولنا في الرواية مثال واضح هو جمال الغيطاني في كتاب "التجليات" تحديداً، ومن الشعراء عدد لا بأس به، وأبرزهم أدونيس، ومن خلال قراءة أعمال هؤلاء والالتقاء بعدد منهم من قرب، غالباً ما يخرج المرء بشيء من الإحباط، إذ إنّ التصوّف هنا فقط في اللغة أي تصوّف فني، وبشكل يبدو أحياناً تزويقياً، أي كنوع من الحليّ التي تعطي لنصوصهم دفعة إشراقية، وجمالية، وأحياناً تبدو الاستعارات عندهم خبط عشواء، وهم يضعون غالباً المفردات في غير أماكنها أو دلالاتها الحقيقية بدعوى التجديد، والأصل أن على المتورّط منهم في الدخول إلى هذا العالم الباطني المليء بالأسرار والرموز والإشارات، أن يفهم كلّ مفردة، وما دلالاتها الأصلية، ولم قيلت، حتى يستطيع الاشتغال عليها بشكل جديد، والحال أنّ أغلب الكتاب المتصوفين فنيّاً، لا يقتنعون أساساً بالتصوف كرؤية للوجود، وكبديل عن الفكر التقليدي ليقنع العقل والروح والجسد معاً.
بالطبع فإنّ من حقّ الكتاب العرب شعراء وروائيين وقصّاصين، أن يستفيدوا من التراث الروحي الكبير، الذي تركه لنا بعض أجدادنا من العارفين، فهو مفتوح للجميع لا حقوق لنشره وتوزيعه أو الإفادة منه، ولهم أيضا أن ينهلوا من التراث العالمي لغة وموضوعات وأفكاراً، ولكن من غير المعقول أن لا يتم التعرف عميقاً على هذه التجارب قبل تمثلها أو توظيف بعض مفرداتها، ومعرفة الينابيع الأولى والتصدّعات التي خرجت منها وليس وضعها قسراً في نصوص خارج السياق كله.
إنّ بعض النصوص تبدو خادعة ومضللة، حينما تزدحم بالمفردات المسطو عليها من أعمال العارفين الكبار، الذين عرفوها بالمجاهدة والسهر والإشراقات والإلهامات والفيوضات والتنزلات..، فنصوصهم حقيقية خارجة من نفس تعرف تماماً معني تلك المفردات، وتتمثلها في الظاهر والباطن، وتعتقد بفعاليتها في الكون، لهذا فإنّها تصل إلى قلوب المتلقين مباشرة، بينما الأعمال المقلدة لهذه النصوص أو التي تسطو عليها دون دراية فهي تشبه تماماً الفرق بين الجواهر المرصّعة بالأحجار الكريمة، وتلك المزورة التي تشع بريقا خلّبياً سرعان ما ينكشف للناظرين..!
ـــــــــــــــــــــــــ
* روائي وباحث أردني