يقدّم كتاب "تخطيطات جبلية"* للفنان الكاتب أسامة عبد الكريم تجربة ابداعية فريدة تمزج بين الفن التشكيلي والكتابة، متجاوزة القوالب التقليدية التي تفصل بين النص والصورة. في هذا العمل، تتداخل الكلمة مع الخط، وتتشابك الذاكرة مع الأثر البصري لتشكل فضاءً مشتركا نابضا بالحياة ولا يقتصر الكتاب بوصفه توثيقا حسيا وانسانيا لتجربة الأنصار، بل قراءة فكرية لها، تكشف ما تعنيه المقاومة والحياة في أقسى الظروف. الغلاف تصميم المؤلف ينبه القارئ الى عالم يقوم على بساطة بصرية واضحة، حيث تبدو الخطوط السوداء وكأنها تعبير حي عن ذاكرة ما تزال حاضرة بقوة. لا تهدف الرسومات الى استنساخ الواقع بقدر ما تسعى الى إلتقاط جوهره، وتثبيت تلك اللحظة الفاصلة بين الوعي والاحساس. وتتآزر هذه الرؤية مع النصوص المرافقة، لتشكل بنية مزدوجة تتيح للقارئ أن يرى ويقرأ في آن واحد، وأن يخوض التجربة من الداخل، لا بوصفه متلقيا خارجيا، بل شاهدا متفاعلا مع تفاصيلها. تتجلى فرادة "تخطيطات جبلية" في قدرته على تحويل تجربة الأنصار من مجرد واقعة تاريخية الى معيش يومي نابض بالحضور. فالجبل هنا لا يُختزل في كونه خلفية للمشهد، بل يتبدّى ككائن حي يختزن الزمن ويحفظ آثار العابرين. انه شاهد صامت، غير أن صمته كثيف بالدلالة، ينساب في تفاصيل المكان: في السكون الثقيل، في قسوة البرد، وفي دويّ الانفجارات التي تمزق هدوءه. انطلاقا من هذا التصور، تغدو الشجرة رمزا مكثفا للحياة والصمود، إذ تستمد جذورها من عمق الأرض كما يستمد الانصار قوتهم من صلابتهم، فتقف شاهدة على الألم والأمل معا، ومتجذرة في المكان كما الذاكرة في الوجدان. تتكرر هذه الصورة في النصوص والرسوم لتؤكد أن الجمال لا يتأتى من الكمال، بل من طاقة الاحتمال والاستمرار. يعبّر المؤلف عن ذلك بقوله: "حين أجلس أمام شجرة عارية من اوراقها، أشعر كأنني في حضرة صلاة صامتة، حيث كل غصن فيها يشير إلى ما هو أعلى، وكل تجعيدة في الجذع تحكي ما هو أعمق. شيء ما في العري النباتي يفتح نوافذ الذاكرة، وتبدأ المخيلة بالتنفس. أتحدث إليها كأنني أكتب رسائل لا يُفترض أن تُقرأ، وأصغي كأنني أمام مرآة لا تعكس صورتي، بل تفضح ما وراءها". تتحرك لغة الكتاب في أفق يتقاطع فيه الحس السردي مع التأمل الفلسفي، فتبتعد عن المباشرة لصالح بناء كثيف بالصور والاستعارات المنبثقة من معايشة واقعية. وتتحول الجزئيات اليومية: كغرفة ضيقة يقتسمها عدد من الأنصار، أو نبع ماء صغير في قلب القسوة الى علامات كاشفة عن طبيعة العيش في تلك الظروف. فهي لا تكتفي بوظيفة الوصف، بل تنفتح على دلالات أعمق، تعكس وعي الانسان بمحيطه وقدرته على التكيف معه واعادة صياغة علاقته به. يستحضر الكاتب تجربته ضمن صفوف الأنصار في الثمانينيات، غير أن هذا الاستحضار لا يأتي في صيغة سرد متصل، بل عبر شذرات ومقاطع يتداخل فيها الزمن وتتقاطع فيها طبقات الذاكرة مع الحاضر. فالنص لا ينزع الى بناء حكاية خطية، بل يراهن على تشكيل حالة وجدانية تجسد آلية التذكر نفسها، حيث تتجاور اللحظات، وتنبثق الصور على نحو متقطع، لكنها تحتفظ بوحدة خفية تمنحها تماسكاً اعمق. يُعيد الكتاب صياغة مفهوم المقاومة خارج حدوده التقليدية، فلا يحصرها في الفعل العسكري، بل يقدّمها بوصفها أسلوب عيش يومي يتجلى في الصبر والقدرة على الاحتمال وروح التضامن بين الرفاق. فالأنصار هنا ليسوا شخصيات بطولية خارقة، بل أناس عاديون وجدوا أنفسهم في ظروف استثنائية، واستمروا في مواجهتها رغم كل شيء. وهذه الاستمرارية، على بساطتها الظاهرة، تشكل جوهر الفعل المقاوم ومعناه الأعمق. في موازاة ذلك، لا يتغاضى النص عن قسوة التجربة وحدّتها، إذ تبرز اشارات القصف واستخدام الأسلحة المحرمة حجم المعاناة التي عاشها الانصار. غير أن الكتاب لا يكتفي بتسجيل الألم، بل يعيد تشكيله كفضاء للتأمل، ومنطلقا للبحث عن معنى يتجاوز حدود اللحظة الراهنة. نقرأ ذلك في النص: " حياة الانصار ليست بطولية ولا رومانسية، لكنها مليئة بالحضور. حضور يكتفي بالقليل، ويتشبث بالأمل دون ضجيج. انهم ببساطة يعيشون، لكن عيشهم مقاومة، وحديثهم صلاة، وضحكتهم وعد صغير بأن الغد، وإن تأخر، قادم. هكذا يعيشون، دون فلسفة زائدة أو تنظير. لا حاجة لديهم الى تعقيد المعاني، لأنهم يمارسونها. في البرد، لا ينتظرون الطقس ليصبح أقل قسوة، بل يشعلون النار، ويواصلون حياتهم. في الجبال، لا يبحثون عن الكمال، بل عن ما يمكن حمله في اليد والعيش به. وفي الليل، لا يصرخون في وجه العتمة، بل يضيئون الفانوس ويتحدثون". يحتل الرسم موقعا محوريا في هذا التحول، إذ تبدو الخطوط السريعة، القريبة أحيانا من (الاسكتش)، وكأنها محاولة عاجلة لاقتناص لحظة مهددة بالزوال. لا تقدم هذه الرسوم صورا مكتملة، بل تترك مساحات مفتوحة تستدعي تدخل القارئ للمساهمة في تشكيل الدلالة. فهي لا تعمل بوصفها توثيقا بصريا بقدر ما تعبّر عن استجابة حسية مباشرة لما يجري. ينكشف في النص ايضا، انشغال بأسئلة أرحب تمس التاريخ والوجود الانساني. فاستدعاء شخصيات مثل تشي غيفارا، أو التأمل في مفارقة قراءة نصوص متعارضة، يعكس توجها لفهم العالم عبر تناقضاته لا عبر انسجامه الظاهري. ومن خلال هذه الاشارات، ينفتح النص على أفق يتجاوز حدوده المحلية، ليطرح قضايا تتصل بالعدالة والعنف وموقع الفرد في مواجهة أنظمة القهر. في أحد المقاطع البارزة، يتخذ تأمل الكاتب في دماء الثائرين، بعدا دلاليا يتصل بفكرة الذاكرة كصيغة من صيغ البقاء. فالدم لا يتلاشى، بل يتحول الى أثر وسردية وحضور دائم في الوعي. وهذه الرؤية تتوافق مع روح الكتاب بأكملها، حيث يغدو التدوين فعلا في مواجهة النسيان، ومحاولة لترسيخ التجربة في الزمن. يقوم النسيج الأسلوبي للكتاب على ايقاع متبدل، تتجاور فيه الجمل الممتدة ذات النفس الطويل مع ومضات لغوية قصيرة ومكثفة. هذا التناوب لا يضفي حيوية على النص فحسب، بل يعكس أيضا طبيعة التجربة بما تنطوي عليه من تعاقب بين التوتر والسكينة، وبين الاندفاع والتوقف. هكذا يجد القارئ نفسه متنقلا بين حالات شعورية متعددة، مع احتفاظ العمل بخيط داخلي يضمن تماسكه.
من جهة أخرى، يتجلى حضور لافت لفكرة التفاعل بين الانسان ومحيطه الطبيعي. فالجبل والشجرة والنهر لا تُقدم كـ خلفية محايدة، بل كأطراف مشاركة في التجربة. الطبيعة هنا كيان حي، يتداخل مع الوعي الانساني، يؤثر فيه ويتأثر به، ليغدو جزءا من ادراك الانسان لذاته وعلاقته بالعالم.
لا يمكن التعامل مع "تخطيطات جبلية" بوصفه كتابا تقليديا، فهو عمل يتقاطع فيه الذاتي مع التأملي والبصري، ليشكل تجربة مركبة تستدعي من القارئ مشاركة واعية لا مجرد تلقٍ سلبي. النص لا يسعى الى تقديم خلاصات جاهزة، بل يوسع أفق التساؤل ويفتح مجالا للتفكير واعادة النظر.
من خلال هذا المنجز، يتمكن أسامة عبد الكريم من نقل تجربته الخاصة الى مستوى انساني أرحب، يتجاوز حدود الزمان والمكان. فالكتاب لا ينحصر في حكاية الانصار وحدهم، بل يتناول الانسان في مواجهته لظروفه القاسية، كاشفا عن قدرته على اعادة تشكيل الألم وتحويله الى معنى، واستثمار الذاكرة بوصفها فعلا خلاقا.
في عمقه، يمكن قراءة "تخطيطات جبلية" بوصفه نصا يدور حول فكرة الصمود، غير أنه لا يكتفي بها، بل يكشف عن جمال يتشكل داخل القسوة، وعن الفن بوصفه وسيلة للاستمرار لا مجرد تعبير، والذاكرة باعتبارها شكلا من اشكال مقاومة الفناء. إنه عمل يرسخ حضوره في وجدان القارئ، ويدعو الى قراءة متأنية وتأمل ممتد، وكأنّ كل صفحة فيه تنفتح على ما يتجاوز ما تقوله مباشرة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
*اصدار: دار الاروع- بغداد