اخر الاخبار

تكون الأماكن مفتوحة أمام الذات من خلال التصوّرات المشهديّة، أو المشاهد البصريّة، فالعلاقة متواجدة بين الاثنين، ولكن معظم المشاهد التي تصلنا عن طريق الذات، هي التصوّرات، حيث أنّ المواقف والأحداث والمؤثرات تمرّ عبر الذات، ولكي تكون هذه الأشياء قيد العمل، فيكون تأثر الذات بها بدرجات عليا، وذلك لأهمّيتها والقدرة على تسخيرها للكتابة، وخصوصاً ما يدهش الذات، أو بما تتصوّره من عجائبيّة الموقف وغرائبيّة الحدث الذي مرّ بها أو الذي أدركته.

بشكل عام، معظم الأمكنة تحوي على الأشياء، وتعد تفعيلاً لتواجد الأمكنة، ويشكّل المكان أيضاً شيئاً من الأشياء، ولكن يكون الشيء بزمنيّة معيّنة، فالزمنية ذات علاقة مع الأمكنة وتواجد تلك الأشياء، حديثاً، أو فيما مضى، أو قد تبتكرها الذات مع الأمكنة.

تؤثر الطبيعة العلائقيّة بين الذات والأمكنة من خلال الاندماج الكلّي، تشكّل الأمكنة وزمنيتها، كشفاً عن وجود، وهو وجود العلاقة مع الذات، والذات لاتوصل هذا الوجود، بل تكون جزءاً منه، ومن هنا، يكون للفعل الذاتي تجربة وجود تفاعليّة، فهي حاضرة كفعل آني.

فاعلية الذات: وبهذا التفاعل الذاتي مع العالم الذي تختاره، تفجّره كتابياَ، بل تعلن تغييره، وهنا تكون قد انتقلت من العالم الواقعي إلى محيطها التأسيسي، لذلك فهي تؤسّس عالماً يخصّها، عالما من المعاني والتأويلات، وتجعله خاضعا للرمزيّة والاختلافات التي تتبناها بحكم أنّها بتفاعل تواصلي، وعلى اتصال مع عوالم أخرى لتنسيقها. مثلا؛ تتجاوز عالم المأساة، بل تجعله مندمجاً مع تفاعلها، فتكون هيمنتها ذات طبيعة خلق نصّي.

عندما نتناول الفعل الذاتي، فالعلاقة التي تتوضّح هيَ بين الفعل الحركي والفعل التأسيسي، يمكن أن يكون للأفعال الحركيّة علاقات مع النص بالتدخل الذاتي وفاعليته. ولا تهدأ الذات في حالة نشاطها إلا اذا تفرغ تفاعلاتها وانفعلاتها.

(إنّ ذاتي هي من أنا، والأصوب ليس أن يُقال: هي أنا، بل أن يُقال: أنا هي، فهي المرجع، والأنا تعبير عنها، وستبقى دائماً من وراء الأنا وفوقها، وقد ظهر لنا أنّ الذات ذات محاور، فهي تظهر من حيث أنّها الحاضر الدائم في الوعي وموضوع الإدراك المباشر الباطن، ومن حيث قيامها بوظائفها المتنوّعة، ومن حيث أنّها الفاعل فيّ، وصاحب الخطة والمشروع، والتي تتذكّر وصاحبة التاريخ، والتي تنتظر أو تؤمل أو تيئس. - الدكتور عزت قرنى – الذات ونظرية الفعل – ط1 لسنة 2001م، دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة  - ص49.).

تؤثر يقظة الذات على التفاعلات الذاتيّة، فاليقظة هي النشاط المتجدّد، وعندما ننتمي إلى اليقظة، إذن هناك ما قبل اليقظة، أي أنّ الذات خارج النشاط. ومن هنا تتكوّن بعض العلاقات وعندما تنهض علاقة اليقظة مع الذات، تبدأ الذات نشاطاً غير متوقع.

الذات الإضافيّة: ماذا لو اختفت الذات؟ أو أنّها توقفت عن العمل، وهذا يحدث كثيراً، عندما تنقطع عن الكتابة أو يتوقف الإدراك الذاتي، أو ليس هناك نشاط يذكر، فالذات تبتعد عن عملها، وهنا نقول: إنّ الذات تمّ نسفها، فهي غير قادرة على التواصل الذي يرغبه الباث عادة، وفي هذه الحالة هناك المستقرّ الإضافي، وهي الذات الإضافية، نلاحظها عندما تتوقف الكتابة، وتعود للعمل ليس بنفس الذات، وإنّما ذات إضافية مشتقة من الذات الحقيقيّة، تعمل وتحلّ محلها بكلّ تقبّل، فتكون بين حالتي النشاط، والفعل.

إنّ الذات الإضافية حالة تفكيريّة تحمل المضامين، لذلك فهي العلاقة القائمة بين الذات الحقيقيّة والعمل الكتابي.

المعتقد الذاتي: من المتعلقات الذاتية ليس فقط المنظور الثقافي، بل إنّ هناك معتقدات ذاتيّة، بعضها يقودنا إلى السلبيّة وبعضها إلى الإيجابيّة؛ ومن السلبيات اتهام الذات بالخمول والحزن وعدم النشاط، فتشكّل هذه الأسباب أو المسمّيات معتقدات ذاتيّة، فتصدّقها وتكون قد سقطت بهذا الفخ، ومن الإيجابيات، الفرح واليقظة والمعتقد اللغوي التي تشكل تواصلا فعّالا بين الذات والكتابة، وبين الذات والمعنى، وعندما نذكر المعنى، نذكر التأويل، فلا نستغرب عندما تكون الذات تأويليّة بانفتاح لغوي. (أمّا "مكوّنات" الاعتقاد على الدقة فإنّها حالة تفكيريّة ذات مضمون، أي مضمون في إطار حالة معيّنة. - الدكتور عزت قرنى – الذات ونظرية الفعل – ط1 لسنة 2001م، دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة  - ص111.).

تنعكس المعتقدات الذاتية على الكتابة، فتوضعها بألفاظ تعبيريّة، لذلك فهي لا تقدّم انعزالها أو نسفها من المنظور الكتابي، بل تقدّم ما تراه وتعتقد به، ومن أهمّ تلك المعتقدات أيضاً، حالة الأحلام والتخييل والخيال، فهذه المسمّيات تعد طرقاً وأساليب كتابيّة.

من خلال المعتقدات والتخزين الثقافي والإدراكيات من الممكن أن تكون الذات، ذاتاً آليّة، وهي في قمّة النشاط والمعرفة الكتابيّة، فالذات أو الكتابة الآليّة لا تحتاج إلى التفكير، أو الانقطاع عن الكتابة، أو التوقف، أو نسف الذات، أو انتهاء نشاطها وعملها، فقد تكون في ذروة العمل الكتابي. وقد أنجزت فاعليتها النصّية الآنية؛ اذ تعد حاضرة ليست ماضية، وعلاقتها مع الفعل الماضي، علاقة (فلاش باكية)، حيث تقودنا إلى حالاتٍ من التذكّر بصيغةٍ نقديّة.