حين قرأ "الستينيون" الشاعر بودلير توهموا أنه ساحر، وأن الشعر الذي جاهر به، له اعراضٌ تشبه السحر، يندس في اللغة مثل كثير من التعاويذ، ومن الشهوات، مُحرضا على الاغواء، وعلى خرق الممنوع، حتى باتت كتابة القصيدة وكأنها لعبة في تجميع تلك الاسحار، حيث الايهام بالخروج عن الواقع، والتمرد عليه، وحيث الابانة في كراهية القمع الشعري الذي يشبه القمع السياسي، والاختباء في الصناديق.
هؤلاء الشعراء، حلموا بإعطاء الكتابة خيارات مغايرة، تجرأوا من خلالها على مراجعة التاريخ، وعلى الاصطدام بالزمن الثقافي، ومدونات الآباء، وربما الاندفاع الى " محاسبة" الذات التي صنعتها الايديولوجيا، أو التي تشيأت في المدينة، بوصفها المكان الطبقي والثوري والتجاري والجنسي، وعلى نحو تكون فيه الكتابة وكأنها اعتراف بالوعي الصاخب، وبالسأم السياسي أو الايديولوجي، الذي يشبه "سأم بودلير في باريس" لذا انحازوا الى التمويه من خلال كتابة البيانات الصاخبة، التي لا هدف لها سوى التبربر الصاخب لهزيمة "الذات" أو الكشف عن قلقها، والخروج بها على النمط الذي غطست فيه، وتحت غواية الانحياز للقصيدة الجديدة، بوصفها قناعا للخلاص، وإخفاء محنة الشاعر الباحث عن حريته، وسط استبدادات معقدة، في السلطة والسياسة والايديولوجيا..
بودلير صاحب السأم، والكاره الكبير للمدينة السياسية، تحول الى حلم شعري، والى مشروع "ثقافي" لمواجهة اساطين التاريخ، والبرجوازية التجارية، والبرجوازية الثقافية، فجعل من قصيدته رهانا عن وعي متمرد، وعلى اسئلة تخص "الحداثة" التي تعني كسرا للوهم، وافصاحا عن هوس الذات التي تُفكر، فبقدر قوله بأنه " عجن الطين ليصنع منه ذهبا" فإنه خلط –ايضا- اللغة بالجسد، ليصنع منها تعاويذ حملها الشعراء منذ اكثر من قرن، ليرمموا العالم بالكلام..
يقول هاشم صالح " لولا بودلير لما كان رامبو، فقد انفجر بالشعر وعاش من اجله" حيث اعطى للغة حساسية فارقة، اخرجتها عن المألوف، ودفعت بالجمال خارج القياس، ليبدو أكثر سيولة، وربما أكثر سطوعا، وأكثر تشهيا، فرغم ما يسكنه من التناقضات، ومن الأوهام، الا أن الشعر ظل خياره المتعالي، لمواجهة خراب العالم، وخراب الأمكنة، حيث تتحول اللغة تحت اغواءاته الى وجود، والى بيان للذات التي تبحث عن ذاتها، ليس للتطهير والاعتراف فقط، بل لضبط ايقاع النقائض والمفارقات، حيث تصنع القصيدة وجودا موازيا، تضيق فيه الوحدة، وتتسع فيه اللغة، وبهدف اكتشاف المزيد من المقموعات المهربة من التاريخ الى الجسد، أو الى اللغة ذاتها.
ما تلقفه الشعراء الستينيون من سأم بودلير في العراق كان ترياقا لتمثيل عطبهم الوجودي، وهزائمهم مع السلطة والايديولوجيا، وأسفارهم الغرائبية مع السجون، ومع الانكسارات والمنافي، وكأن بودلير ورامبو وابولينير تحولوا الى "اساطير"، يدفعون شعراء الواقع الى التمرد عليه، والى تحرير القصيدة من قيودها، ومن تاريخها، وعلى نحوٍ يعط للشعراء الهاربين الى المدينة/ السأم، من الدوستوبيا احساسا بأن هؤلاء السحرة/ الشياطين/ العرافين يمكنهم اخراج الوجود من فكرة الطين الى فكرة الذهب، ومن التراث المبجل الى اليومي العابر، حيث كتب بودلير كثيرا عن ذلك العابر الذي لا يطمئن الى "الماكث" والثابت..
القصيدة لا تبني عائلة شعرية، ولا تؤسس مراكب لمواجهة الفيضان، إنها تصنع أفقا، حيث تراقب من خلاله الكائن الذي يواجه نسيان كينونته، فلا يجد سوى القصيدة، تلك اللعبة الماكرة في الافصاح عنها، عبر الاحتفاء باللغة، وليس عبر السلالة، فتجعل للشاعر مسكونا بصحو حاد، له طقوس اليقظة والادهاش، ومواجهة العالم الملتثاث بالنعاس، والواقف عن سرير "بروكست الاسطوري" أو عند كهف افلاطون، أو قياس ارسطو، وبهذا لا شيء سوى الشعر لتمثيل سيرة أولئك السحرة، ليس للتماهي معهم، بل لإعادة قراءة اوهامهم، وهم السرير، ووهم الكهف، ووهم القياس، حيث تؤدي القصيدة وظيفة اشهارية، تدعو الى التمرد على لذة الوهم، وعلى الطاعة الذي صنعته السلطة، وعلى الثابت الذي كرس وهم "الشعراء الآباء" وعلى الوقت الواقف في الذاكرة، والذي اراد منه بودلير أن يكون عابرا، ومحرضا، ومهيجا للجسد واللغة، وأن يفتح طلاسم العالم من خلال شفرات الاستعارات التي تفضح جماليات "الشر" في ازهاره الغاوية، وفي خياناته الشهية، حيث تصنع للشاعر سلسلة من السعادات، حتى ولو كانت مغشوشة..