لا تدري هي منذ متى قائمة في هذا العمق الخرافي المستطيل، الممتد عميقًا في جرح التاريخ، منذ الغزو الذي أحدثه الرجل لكي يسترقّ النساء اللواتي يحصل عليهن حتى اللحظة الراهنة. وهي تقف في القاووش، قصدها هذه الزنزانة المستطيلة الضيقة، التي تتحرك على أرضها بقايا نسوةٍ فقدن كل شيء: البيت، والزوج، والأطفال، والمستقبل؛ لا لشيء إلا لأن القائمين على أمن الدولة شعروا بأنهن يشكّلن خطرًا على استمرار الدولة. منذ سنوات عدّة توقّف أهلها عن الزيارة، فلم يَفُتْها الأمر؛ فهي تعرف جيدًا أن أهلها قد أُبلغوا بأنهم أعدموها، وأنها لم تعد موجودة على قيد الحياة، ولا على قيد السجلات التي تُحصي أسماء الأحياء عليها. بلى… لم تعد تلك الفتاة الجامعية الممتلئة حبًّا بالحياة، والمحلّقة بالأمل عاليًا فوق ذوائب الأشجار والأشياء. فجأةً — هكذا — نزلت إلى الحضيض بلا أجنحة، بلا أشجار، بلا حياة. قُبِض عليها وجُرَّت من كليتها، ووجِّهت إليها تهمةٌ ظالمة: العمل في الأحزاب المناهضة للسلطة. بكت… نفت تلك التهمة، وأقسمت بالله، وبالرسول، وبالأئمة الأطهار، لكن لم يصدّقها احد. قالوا لها: اعترفي… اعطينا أسماء خليتك التي تجتمعين بها. قالت: لا أعرف. لكنهم خلعوا أظافرها. قالت: لا أعرف. فأوصلوا إلى جسدها تيارًا كهربائيًا لا يرحم. قالت: لا أعرف. فسَكَبوا عليها الماء الحار. قالت: لا أعرف. لكنهم جرّدوها من ملابسها، وعلّقوها ورأسها نحو الأسفل في مروحة غرفة التعذيب. وقالت… لا أعرف. هي الآن لا تشبه تلك الفتاة التي أخذوها ذات صباح من كليتها؛ فقدت وجهها الأبيض وطمأنينتها المستمرة، وتاريخها العائلي والمدرسي، وضاعت في دهاليز السجون الحكومية، وهي لا تعرف شيئًا مما اتُّهمت به. الآن، في هذا الصباح، تشعر بألمٍ شديد في أحشائها، الألم الصادر من انتفاخ بطنها الناتج عن الاعتداءات المستمرة عليها من أولئك الوحوش الذين زرعوا هذه الثمرة النجسة في أحشائها. الآن تزحف نحو فتحة الضوء المنتشر في صباح هذا اليوم الجديد، متجهةً إلى قضبان باب الزنزانة، زحفًا على ركبتيها ويديها، حتى إذا وصلت الزنزانة تشبّثت بالقضبان ورفعت نفسها، ثم جمعت ما بها من قوة لتصرخ بصوتٍ واهنٍ وضعيف: «أيها الجرذان… أيها البشر المنسلخون من بشريتكم وإنسانيتكم… أيها الأعداء الذين خرجتم بي ذات يوم من الكتب التي قرأتها، ومن الأمان الذي كان يجلّلني من زوايا البيت الدافئة التي كنت أحيا بها، ومن أحلامي الكبيرة، ومن أمنياتي المتفرّدة… خرجتم بي لتحوّلوني إلى شبحٍ يحتوي قذارتكم… لا… لن أكون جزءًا من تاريخكم الأسود.
أيتها السجّانة… يا أمَّ عبدِ الله… يا أمَّ عبدِ الله…»
وصرخت… وصرخت… حتى أقبلت أم عبد الله، وقالت لها بصوتٍ أجشّ مستنكِر:
«ماذا تريدين أيتها…؟»
ولم تُجب. نعم… لقد تحولت إلى ذلك المسمّى منذ أن دخلت هذه السجون وفقدت كل شيء جميل كان أهلها والقريبون منها يتغزّلون به.
قالت لها متوسلة:
«إني أشعر أن موعد ولادتي قد اقترب… افعلي شيئًا… انقلوني إلى المستشفى… أو إلى أي مكان يخلّصني من هذا الألم المريع…»
فقالت السجّانة — دون أي تعاطف —:
«اذهبي إلى عمق الزنزانة، واجعلي زميلاتك يقمن بهذا العمل… ليخرجن هذه القذارة منك… أو تموتين.»
سقطت السجينة سقوط دمعةٍ كبيرة من عينٍ حزينة، ونزلت وهي تتشبث بقضبان الباب، حتى تكوّمت في أرض الزنزانة مثل تاريخٍ من الحقيقة مُهان، وصرخت صرخة استنجاد… صرخة مظلومٍ منفردٍ ضعيف. تجمّعت السجينات حولها، وأخذنها بعيدًا إلى الظلام في عمق الزنزانة، ومن هناك — من عمق الزنزانة البعيدة المظلمة — اختلطت الأصوات النسوية؛ هي تستنجد بكل شيء: بالله، وبالرسول، وبالأئمة الأطهار، وبأمها وأبيها، وبالحجر والمدر، وبأصوات النسوة اللواتي يشجّعنها على أن تدفع ما في بطنها. وتبقى تلك السمفونية القديمة تشقّ عباب التاريخ لتسجّل تلك اللطخة السوداء في جبين تلك التي تسمي نفسها دولةً تحمي المواطن، وتوفر له أسباب معيشته، وحرّيته، وكرامته… لكن هنا — في هذا الدهليز المظلم المتوغّل عميقًا في جدار الزمن — يشهد بأن لا شيء من مقوّمات هذه الدولة يجري الآن… أو بعد الآن. وبعد أن خمد الصياح، وانتهت المعركة عن امرأةٍ ميتة، أنجبت كتلةً من اللحم الأسود الممزوج بالأحمر، الذي لا يتبيّن له شكلٌ أو مظهر؛ لم يكن فتاةً، ولم يكن صبيًّا… بل كان كتلةً مشوّهة من اللحم الأحمر والأسود. وضعتها إحداهن ملفوفةً في خرقةٍ سوداء، ثم تقدّمت نحو الضياء الذي بدأ يدخل من الباب الرئيسي للزنزانة، ومن خلال القضبان الحديدية السوداء، صرخت مرةً أخرى بألمٍ مفرط وصوتٍ يائس:
«أم عبد الله… أم عبد الله…»
فأتتها السجّانة، قالت لها:
«خذي هذه الثمرة النجسة اليابسة… وألقيها في النفايات… أو احفري لها مكانًا في الأرض… واستُري بها تاريخكم النجس…»
ثم نظرت إلى السجينة قالت:
«والأم؟»
قالت لها:
«ارتاحت منكم أخيرًا… لقد ماتت.»
أخذت السجّانة ذلك اللحم الملفوف بقطعة السواد، ومضت نحو حديقةٍ جرداء صغيرةٍ في آخر السجن، وهي تنوء بجسدها الضخم.