اخر الاخبار

دأبتُ منذ سنوات على تأكيد مقترح لاعتماد اليوم العراقي للمسرح. ومنذ عقود كنتُ وثقت الأمنية في أطروحة للدكتوراه تخصصت بالمسرحية العراقية. وفي تلك الأثناء أكدتُ باستمرار على أنّ مسيرة كانت قد انطلقت في الربع الأخير من القرن التاسع عشر تستحق أن تمتلك منصتها الخاصة التي تعرض إبداعاتها وتتدارس الخطى التي ربما تراجعت في السنوات الأخيرة لأسباب ذاتية وأخرى موضوعية..

ولعل من بين ما أصابها بعض تشوهات في قراءة المسرح ووظيفته وفي إضافة زخم جديد إليه لا يقيد نفسه بمحددات خطابات أخرى ربما بعضها مما لا ينتمي للتمدن وقيمه بقدر انتمائه للظلامية ويفضي بسبب معاكسته قوانين ولادة المسرح والمسرحية التي تتجسد في منظومة حضارة المدنية ودولتها منذ آلاف الأعوام. ما يهمني هذا العام وأنا أجدد الاحتفال بيوم عراقي للمسرح، والنداء من أجل اعتماده رسميا وطنيا عبر منظمات المسرح وروابطه المحلية وبوساطة مبدعاته ومبدعيه؛ هو أن أركز على حال بات يميل لبعض مهرجانات ربما أصابها الوهن وأحيانا التسطيح والخلو من مفردات نوعية ترتقي بها أبعد من استعراضات جائزة أو أخرى لتغوص في عالم المسرح بوصفه لغة المجتمع في قراءة أحواله ومسيرته بتفاصيل هفواتها قبل نجاحاتها..

وهنا يكون المسرح بحق تجسيد لما وُلِد به وجُبِل عليه من منظومة قيم التمدن بوصفها منظومته البنائية..

ربما لم يطلع أحد المسؤولين على التصور الخاصة بالمقترح لكن فكرة اليوم العراقي للمسرح باتت اليوم واجبة أكثر من أي يوم سبق. فمسرحنا الذي طاولته ظروف البلاد وأوضاعها المثقلة بالهموم والملبدة بالغيوم داكنة مكفهرة بها حاجة إلى مثل هذا اليوم في بادرة لإعادة الانطلاق. لقد احتفلنا على سبيل المثال هنا وهناك بهذا التاريخ المقترح ليكون يوما عراقيا للمسرح وساهم فيه من ساهم لكننا مازلنا نتطلع إلى أن يتحول إلى حدث وطني وليس مجرد احتفال في هذا المهجر القصي أو بتلك المنصة المحلية المحدودة ومثلما اليوم العالمي للمسرح يعد انموذجا بهيا بصورة أدق اليوم العربي للمسرح والأيام الوطنية لمسارح دول المنطقة وغيرها من جغرافيا عالمنا المعاصر كثير منها ليس له تاريخ في المسرح سوى بضعة أعوام ومع ذلك بات يشتغل باحتفاله الوطني المخصوص وهو على حق؛ مثلما كل أولئك وبلدانهم يستحق المسرح العراقي يوصفه واحدا من بضع مسارح في المنطقة ممن يحمل الحلم لأكثر من قرن ونصف في تاريخه الحديث ولكنه أيضا وقبل ذلك يمتلك تاريخا عريقا يعود لآلاف الأعوام عندما كان المسرح السومري بما شيد من مبان له وما ترك من أساطير ونصوص درامية البنية وهو ما زال يحتفظ بتلك الملامح الخاصة بهويته ومنظومته البنائية.. وبين يوم عراقي للمسرح يمكن أن يعود بنا إلى إحياء تاريخه الحضاري العريق منذ سومر التمدن والقيم السامية التي أسس لها وبين إحياء مراحل النشأتين الأولى التي وُلِدت في القرن التاسع عشر والثانية التي وُلِدت مع مرحلة نضج في أربعينات القرن الماضي سيكون لليوم العراقي للمسرح وقعه الكبير وتأثيره بتأسيس نقطة انطلاق بنيوية جديدة مضافة لسجل المسرح العراقي الحافل بعمالقته نساء ورجالا سيبقون على مر التاريخ نجوم الفن الذي تبنى قضايا الناس والوطن وبناء الشخصية الوطنية وذلكم من مآثر مسرحنا.. بي حاجة للتذكير بقائمة طويلة من مبدعاتنا ومبدعينا وما سطَّروه وقدموه على مسارح كنا حتى عقود قليلة خلت نساهم بإعدادها وتنسيقها بقدرات فنية متواضعة للعاملات والعاملين فيه فيما بتنا اليوم نمتلك منصات وكثير من البيوت المسرحية التي نفخر بها.. ومازالت أوسمة بأسماء حقي الشبلي وإبراهيم جلال والعبودي ويوسف العاني وجوهرة المسرح العراقي زينب ولؤلؤته ناهدة الرماح وراهبته آزادوهي صاموئيل وكثير من قامات أسست لمدارسه ومذاهبه الفنية الجمالية غنية العمق الفلسفي ثرية العطاء الفكري الثقافي هو مما ينبغي أن نربط به أجيال المسرح العراقي الحديث بخاصة مع مراحل غناه وتطوره ومجده..

إنني لأثق بقوة بكل الزميلات والزملاء بحركة المسرح والفن الحديث وإمكانات نهوضهم ليكون هذا العام عام انطلاقة لاحتفالية وطنية باليوم العراقي للمسرح وأن يُمنح هذا اليوم مكانا مخصوصا بالمستوى الوطني لما هو أبعد من حدود الثقافي الفني ليعيد مكان المسرح الذي انشغل به أجدادنا السومريون وجعلوا من منجزه صروحا جسدتهم وجوديا بكل معاني منظمات إنتاجهم الحضارية المعروفة.. أثق أن الانتظار لن يطول ويمتد وأن ناشطات ونشطاء مسرحنا يحملون ذات الاتجاه ليسجلوا بهذا الموقف مآثر تسوغ كونهم ورثة تلك المسيرة التاريخية العريقة منذ سومر بمسرحنا التاريخي القديم ومنذ أول شرارة لولادة عراقنا المعاصر الجديد وتشكيل الدولة واستعادة وجودها بما تضمنته من إشارات إلى تاريخها الحضاري العريق كونها مهد التراث الإنساني باستحقاق وإنني لأدعو مبدعاتنا ومبدعينا للتنادي حول عبارة واحدة تجمعنا تتجسد بالنص الآتي: "فلنحتفل بانطلاق اليوم العراقي للمسرح الآن وليس غدا، احتفالا بمجدنا وبحاضر يمكننا أن نسمو به ونعلو".

لتكن الاحتفالية المقترحة يوم 24 شباط من كل عام كونه التاريخ الذي احتُفِل به لعقود بأول صعود لرائد المسرح العراقي الفذ الفنان يوسف العاني في العام 1944.

ـــــــــــــــــــــــــــ

*أستاذ الأدب المسرحي