اخر الاخبار

مدخل :

تتميز ثقافة الباحث ناجح المعموري في العقود الأخيرة على المنهج الاسطوري، وهو تحول له جذوره ومرجعياته الأولى عنده، إذ كانت له كتابات في الموروث الشعبي في بواكيره الاولى، وكرست عبر ملاحقته للنص الادبي وفي كتاباته السردية في القصة والرواية، ولعل هذا التحول كرس من خلال القراءات المجاورة للنص الادبي والفني، ما نخلص اليه أنه ليس نقدا ادبيا او فنيا فحسب، بل هو نقد اسطوري ، والمعموري ادرك أنَّ (الاسطورة) هي نقطة انطلاق العلوم (كما يشير المرجع التعريفي لها) ومع ان الاسطورة بتعدد موضوعاتها وتناولها الثقافات البدائية وترسبات اوائل البشر في (اللاوعي الجمعي) ظهرت العديد من الدراسات في علم النفس (فرويد: يكشف عن وجود غايات ورغبات) وعلم الانثروبولوجيا (تايلور: دراسته للثقافة البدائية) وكذلك (جميس فرايزر: دراسته للجذور الاولى في: الغصن الذهبي) ..

يظهر الباحث ناجح المعموري في منطقة جديدة في ملاحقته النص الاسطوري، متأثرا بمقولة (رولان بارت) بأن:( كل شيء في الحياة هو اسطورة) فهو يرجع بالاشياء التي يتناولها بحثيا الى اصلها، في الطرس الاول او المنشأ الاول، فكان عنده:

1 ـ التأويل: وتطبيقه في النص الادبي والفني معاً.

2 ـ المغامرة في فتح شفرات المبنى الاسطوري عبر الاسلوب التحليلي.

3 ـ تعدد الانساق في تناوله التأويلي في الاسطورة والنص الادبي والفني.

يعكس ذلك مدى توصل الباحث ناجح المعموري الى فحوى النص بوصفه فضاءً مفتوحا قابلا للاضافة، لذا كانت لدينا ثلاث مداخل في قراءة ما انتجه: 

اولا: مدخل في قراءته النص الاسطوري (المسكوت عنه في ملحمة كلكامش) انموذجا: 

تمحورت قراءة المعموري لملحمة كلكامش في الجانب التأويلي للنص الملحمي ذاته، وقد اشار الى هذا الجانب في استهلالية للتحليل وتقديمه لقراءة مغايرة بعد ان سبقه في ذلك الباحث فراس السواح، وكانت الاشارة في بادىء الامر (الفصل الاول) المعنون بـ(سلطة المرأة ـ قوة الحكمة) بالاعتماد على النص المترجم والمقتبس من ترجمة الباحث الكبير (طه باقر) وكان لتطبيق النص المترجم للملحمة انطوى على موقف تحليلي في التركيبة الاجتماعية التي اسقطت عليها السلطة الالهية، ومع الاشارة الى (طبقة العبيد) و(خصلة الوشم) والقوانين (قانون حمورابي) وبعض النصوص السومرية، فان ما افرزته مقاطع الملحمة من نص تراتبي وصراح السلطة الحاكمة العليا مع سلطة المرأة/ شمخت / كاهنة الرغبات، انها اخذت بسلطة الانوثة والذكورة كجانب رمزي للقمر والشمس، ما يعكس مدى توصل الباحث الى فحوى النص ذاته بوصفه ملحمة مفتوحة التأويل، مع الاخذ بنظر الاعتبار قصة الملحمة وشخوصها (كلكامش/ انكيدو) وفكرة الخلود والعلاقة الحميمية التي جمعت بينهما فيما بعد، وكيف تحول الصراع الى رفقة، وما الى ذلك ..

في المسكوت عنه، أخذ التأويل عند ناجح المعموري في (اللا مفكر فيه) وكان للجنس والغواية والصراع والمواجهة والقرارات المصيرية أثر كبير في جعل الملحمة قابلة للتأويل، فكان:

1 ـ الذهاب الى النص بوصفه النتاج المتعالي عبر لغة مرصوفة.

2 ـ الجذر السلطوي كان فحواه صراع ثنائي قائم على الانوثة والذكورة عبر استعارات ظاهرية للقمر والشمس.

3 ـ فعل الغواية في حقيقته هو صنعة أنتجتها سلطة الانوثة للأخذ بنظر الاعتبار وكسب الصراع السياسي من اجل مقاليد الحكم الذي ذهب الى سلطة الذكورة.

4 ـ (ملحمة كلكامش) ملحمة شعرية ذات سمات رمزية عالية، وقد دونت بعد (400) سنة كما تشير المصادر، والباحث ناجح المعموري تعامل معها تأويليا.

5 ـ (الجنس/ الاتصال / الخصب/ تفجير الطاقة) والاشارة الى المخلوق (انكيدو) على وجه التحديد، كان اشارة الى الانبعاث في الخلق وتعطيله معا.

ثانيا: مدخل في قراءة النص الشعري:

(قبعة موفق محمد) و(احلام المرايا في شعر عادل الياسري):

أ ـ تميزت قراءة ناجح المعموري في كتابه (قبعة موفق محمد/ 2012) بالاشارة الى الذائقة لدى الآخر/ المتلقي، والتي تلعب الدور المؤثر في استخلاص ثقافة الفرد، وكيفية الامساك بالقصائد عبر حضور المتلقي وتلقيه الاسترخائي، مدركا ان لشاعرية موفق حضور كبير وهيمنة طاغية حاضرة في الواقع الاجتماعي العراقي، ولكن لماذا القبعة ؟ قد يبدر في البال انها علامة سيميائية لمدول ثقافي، وفي واقع الحال انها علامة انثروبولوجية تتماهى مع حالة التقطها الاستاذ المعموري عبر وسيط اعلامي او بالاحرى في احدى وسائل الاعلام (الفضائيات) عندما ظهر الشاعر في لقاء تلفزيوني مرتديا القبعة وهو يقرأ القصائد التي شكلت ظاهرة في حينها عند الجمهور وكنت برفقة الشاعر وشاهد على التفاصيل جميها.

انطوت موضوعات الكتاب على ما كانت عليه تجربة الشاعر التي تتمتع بجانب استفزازي مؤثر يمثل الذائقة العامة، كقصيدة (سري للغاية) مؤكدا (ان الشاعر اخترق الذائقة اولا، واستهدف هيبة الشعر فيها وخرق المألوف والمتعارف عليه) والباحث حين اشار في تحليله النقدي هذا، فقد كان هناك تواشج ثقافي/ تداولي بين الطرفين، بمعنى ان الباحث والشاعر كلاهما انسرحا في فضاءات مفتوحة من دون قيد في المنهج البحثي، او قيد في الضوابط الفنية في الشعر، لذا جاءت تحليلية النصوص التي تتمتع بسخرية ذات لغة تدوينية/ شفاهية/ يومية، وهي لغة ناقدة للسلطة، فحين يقول الشاعر (هل رأيت حمارا يشبه موفق محمد) و(ارد اشتري حصان واركب عالبعيرة مطي) شكلت ضربة كبيرة عند الشاعر وحفظها الكثير من متابعيه،  الا ان المعموري من خلال تحليله للنص، رحّلَ المضمون اسطوريا، مشيرا الى بعض الحيونات المستخدمة في النص كانت من الشفهايات السردية المتواصلة مع النسق الاسطوري، وهذا ما طبقه ايضا في (شفاهيات موفق محمد) مشيرا الى بعض القصائد التي اسماها بالمرويات، وكان لتحليل قصيدة (محلة الطاق) وقصيدة (غزل حلي) استطرادات عميقة لدلالات (النهر / المكان/ الرحم/ الماء) مع التوظيف الرمزي للبعد الاسطوري لهذه الدلالات ومحيطها العلاماتي، لتدخل تحليلات نصوص ناجح المعموري في تركيبة قصائد موفق محمد..

ب ـ في قراءته لكتاب (احلام المرايا في شعر عادل الياسري) نستخلص في مضمون الكتاب دراسته لبعض الدواوين الشعرية التي اصدرها الياسري والتي عبرت عن قراءة دقيقة لمنجز الشاعر، إذ تناغمت مع ذائقته، ومع المقدمة التي تشير (كتابة عن تاريخ الصداقة) والتوافق بين الطرفين (اشعر وصديقي بالسعادة لأن التوافق مهم جدا) وهي اشارة الى ان الاستاذ ناجح المعموري يمثل الطرف المناظر للشاعر الياسري، ما يجعل تجربة الشاعر حاضرة بشكل كبير في منجزه النقدي، لذا كانت موضوعات الكتاب (الوردة جسد المعشوق) و(تبديات العنونة) و(الاستهلال) و(اساطير حاءات الانثى وقميص الزنجية) و(لسان الزنجية الابيض وشفرات القميص) كلها حاضرة عبر شفرات اسطورية استخلصت من متون القصائد في دواووين الشاعر عبر عبارات حاضرة (الخصب / اللذة / الانبعاث/ النشوة) وهي مفردات يستعيرها من تحليله في البحث الاسطوري، فحين يكتب الشاعر الياسري مفردات، يناظرها المعموري بعلامات اسطورية:

زهرة ـــ اشتهاء

وردة ـــ غواية

جمرة ـــ انثى رمزية

كلها يسميها بـ(لذة الحسيات)

حافظت تحليلات الباحث على فعل الغواية عبر التقاطات دقيقة جدا، التقاطات جوهرية تم ترحيلها الى النسق الاسطوري، يقول الشاعر (ماذا هو الماء.. ممن اتى؟) يرحل الباحث الماء الى مفردة الطاقة ثم الذكورة كجانب رمزي لتواص الحياة. 

وفي قراءته للمجموعة (الورد عيونه ملونة) كان للعنونة خاصية في المثيولوجيا، مشيرا الى ما انتجتها الجماعات المتخيلة من اجل نسق الخصب، وكذا الحال في مجموعة (للورد .. وانت) حيث تظهر شعرية الورد عبر اسطرة الجمال، ثم استل من المضمون الشعري رمزية الشخوص الاسطورية (انكيدو) الذي عده المعموري رمزا غادر جغرافيته باتجاه استعادي في نصوص شعرية اخرى، ومع تأكيده في قراءة المجموعة اشار الى (ان الشاعر عادل الياسري حافظ على طرفي النظام الثقافي الخاص بالألوهة الشابة المذكرة والأنوثة) عبر تحليل ثلاثي الابعاد (النص الشعري ـ المضمون المستعار تناصيا ـ التحليل).

ثالثا: مدخل في تحليل وقراءة (الفوتو):

تنوعت اشتغالات ناجح المعموري في قراءاته لفن (الفوتوغراف) لعدد من الفنانين العراقيين، وهذا التنوع توزع في دراسات ومقالات وكتب، وكان ابرزهم (ناصر العساف..وفؤاد شاكر..و عادل قاسم .. وصفاء ذياب..و علي طالب) لكننا سنقف عند محطة كتاب (فتوغرافيا علي طالب .. العربات اجساد/ المدى 2019)  ـ انموذجا ـ.

نلمس في الكتاب هذا مدى توصل الباحث الى طبيعة الصور الملتقطة، تلك التي الصور التي اعطت دلالات مركزة لحركة الاجساد والعربات في دوامة مستمرة، مشيرا الى (علاقة الاشياء مع الانسان) وهي من سرديات الحياة اليومية، ومع اشارة القيمة الرمزية للثيمة الفتوغرافية الملتقطة، فقد كانت تحليلاته خاضعة لسيرورة الطبيعة الاجتماعية المهمشة في حياة الطبقة الفقيرة، حتى في موضوعة (الفوتو غرافيا والموت) فقد انطوت على حمولات الواقع المُصور عنه والأخذ بالتأويل على مساحة واسعة من الواقع، ولعل التعاطف الحميمي وانعكاسه النفسي على الباحث المعموري عكس ذلك جماليا في التحليل الفني، مع الاخذ بالتحليل لتقنية استخدام الكاميرا وما تتمتع به من عناصر ساهمت في خلق وحدة الصورة الفوتوغرافية، كذلك في موضوعة (استراحة العربات) طرحت في طياتها استراحة الاجساد المحركة لها، ولها دلالاتها في الكدح والفقر والتعبير عن حقيقة المجتمع الهامشي.

ما توصلت اليه قراءة الباحث، ان تكوينية (الفوتو) اوضحت فكرة الحقيقة وما جاءت به من ارضية واقعية ملموسة، لأنها باختصار شديد تعكس التفاصيل المكونة لهذا الواقع، وهو من السرديات البصرية الملتقطة عبر فنية ادائية لمهارة الفنان/ المصور، فميزة الفن انك تختار اللحظة التي تشكل حالة فنية ملفتة للنظر، وفيها عمق معرفي وفني، وكما اوضح الباحث ناجح المعموري بأن (الحقيقة جزئية في الصورة) لكنها تمثل الشفرة الابداعية للفنان في الامساك بالموضوعة التي تحمل فكرا معينا..