اخر الاخبار

في مقالها الشهير؛ هل يستطيع التابع أن يتكلم؟   طرحت غاياتري تشاكرافورتي سبيفاك واحدة من أكثر الإشكاليات راديكالية في دراسات ما بعد الاستعمار، حين شككت في قدرة الفئات المهمشة على التعبير عن ذاتها داخل منظومات المعرفة والسلطة التي صاغها المركز الاستعماري أو النخب المحلية المتحالفة معه. هذا السؤال، على بساطته الظاهرية، يتجاوز السياق الهندي أو الآسيوي الذي انطلقت منه سبيفاك، ليغدو أداة تحليل نقدي لوضع المثقف في مجتمعات الجنوب عموماً، ومن بينها العالم العربي. فالمثقف العربي يجد نفسه، تاريخياً وراهنياً، موزعاً بين تمثيل مجتمعه أمام العالم، وترجمة خطاب العالم إلى مجتمعه، وهو ما يجعله عرضة لإعادة إنتاج علاقة الوصاية ذاتها التي حذرت منها سبيفاك. يُحيل مصطلح التابع   عند سبيفاك إلى الفئات التي جُردت من القدرة على إنتاج خطاب معترف به: فقراء المدن، سكان الأطراف، النساء في البنى التقليدية، والعمال غير المنظمين. هؤلاء لا يغيبون لأنهم لا يتكلمون، بل لأن ما يقولونه لا يُلتقط ضمن قنوات الشرعية المعرفية والسياسية. وإذا نُقل هذا المفهوم إلى العالم العربي، أمكن رصد أشكال متعددة للتابعية: الفلاحون في الأطراف الريفية، سكان العشوائيات، اللاجئون، النساء في السياقات المحافظة، والأقليات الثقافية واللغوية. غير أن الإشكال لا يكمن فقط في وجود هذه الفئات، بل في كيفية تمثيلها داخل الخطاب الثقافي العربي ذاته. فغالباً ما تظهر بوصفها موضوعاً للإصلاح أو للتحديث أو للشفقة، لا بوصفها ذواتاً قادرة على صياغة سرديتها الخاصة 

المثقف العربي وإشكالية التمثيل

تنتقد سبيفاك ادعاء المثقف الغربي التحدث باسم التابع، معتبرة أن هذا الفعل يعيد إنتاج التراتبية ذاتها التي يدّعي تفكيكها. وفي السياق العربي، يمكن القول إن المثقف يقع في مأزق مشابه، وإن اختلفت شروطه. فمن جهة، هو يتبنى في كثير من الأحيان مفردات نظرية مستوردة من الفضاء الأكاديمي الغربي، ويعيد تطبيقها على مجتمعه بوصفه موضوعاً للدراسة والتحليل. ومن جهة أخرى، يُطلب منه أن يكون صوت   الفقراء أو المهمشين في الإعلام والسياسة. هنا يتجسد خطر مزدوج: خطر تحويل المهمش إلى مادة خطابية، وخطر احتكار الحديث باسمه. وبهذا المعنى، يصبح المثقف وسيطاً لا ناقلاً، ومؤولاً لا مستمعاً، فيقع في ما يمكن تسميته  الوصاية الخطابية  ، حيث يُعاد تشكيل معاناة التابع على وفق قوالب نظرية جاهزة. عندما تجيب سبيفاك بأن التابع لا يستطيع أن يتكلم، فهي لا تنفي امتلاكه للغة، بل تنفي اعتراف البنية السائدة بتلك اللغة. فالقانون، والأكاديميا، والإعلام، كلها مؤسسات تنتج أنماطاً مخصوصة من القول المشروع. وفي العالم العربي، تتجلى هذه الإشكالية في الفجوة بين اللغة النخبوية ولغة الحياة اليومية. فالخطاب الثقافي غالباً ما يُصاغ بلغة عالية التجريد، متأثرة بالمفاهيم الفلسفية أو السياسية الحديثة، بينما تُختزل تجارب المهمشين في صور نمطية أو شعارات عامة. وهكذا، فإن ما يقوله سكان الهامش عن فقرهم أو قهرهم لا يدخل في سجل  المعرفة   إلا بعد إعادة صياغته بلغة النخبة، أي بعد أن يفقد كثيراً من خصوصيته وتجربته الحية.

المرأة العربية بوصفها  التابع الأشد صمتاً 

تولي سبيفاك اهتماماً خاصاً بالمرأة في مجتمعات الجنوب، معتبرة أنها تقع عند تقاطع اضطهادين: بطريركي وكولونيالي. ويمكن إسقاط هذا التحليل على وضع المرأة العربية، التي تُستدعى في الخطاب الثقافي إما بوصفها رمزاً للتخلف ينبغي تحريره وفق نموذج غربي، أو بوصفها رمزاً للأصالة ينبغي حمايته من التغريب. في الحالتين، يغيب صوتها بوصفها ذاتاً تاريخية لها شروطها وتجاربها الخاصة. فحين يتحدث المثقف عنها، يتحدث غالباً باسمها لا معها، ويحدد أولوياتها وفق أطر أيديولوجية جاهزة: الحداثة أو الهوية، التحرر أو المحافظة. وهكذا تتكرس صورتها كموضوع للصراع الرمزي، لا كفاعل في إنتاج المعنى الاجتماعي. يمثل نص سبيفاك نقداً جذرياً للمركزية الأوروبية التي تفترض أن الغرب هو المرجعية الكونية للمعرفة والحقوق. وهذا النقد يكتسب أهمية خاصة في السياق العربي، حيث ظل سؤال النهضة مرتبطاً تاريخياً بالنموذج الأوروبي، سواء في صورته الليبرالية أو الماركسية أو القومية. لقد تشكل وعي المثقف العربي الحديث في فضاء مشدود بين الإعجاب بالغرب والخوف منه، بين استلهام مفاهيمه والارتياب في نواياه. ومن هنا، فإن خطاب الدفاع عن المهمشين قد يتحول إلى خطاب استنساخ، يعيد إنتاج تصور غربي عن الفقر أو المرأة أو الدين، بدلاً من الانطلاق من التجربة المحلية ذاتها. تحذير سبيفاك من أن المعرفة قد تكون أداة سيطرة يضع المثقف العربي أمام مسؤولية مزدوجة: نقد الهيمنة الخارجية، ونقد أنماط الهيمنة الداخلية التي تتستر بلغة التنوير.

المثقف العربي بين الترجمة والإنصات

إذا كان سؤال سبيفاك يفضي إلى التشكيك في إمكانية تمثيل التابع تمثيلاً كاملاً، فإن هذا لا يعني الدعوة إلى الصمت أو الانسحاب، بل إلى إعادة تعريف دور المثقف. فبدلاً من أن يكون  ناطقاً باسم   المهمشين، يمكن أن يكون ميسراً لظهور أصواتهم، من خلال تفكيك الحواجز المؤسسية واللغوية التي تحول دون سماعهم. وهذا يقتضي الانتقال من منطق الترجمة الفوقية إلى منطق الإنصات النقدي: أي الاعتراف بأن التجربة المعاشة للهامش ليست مجرد مادة خام للفكر، بل مصدر معرفي قائم بذاته. في هذا السياق، يغدو عمل المثقف أقرب إلى خلق شروط إمكان الكلام، لا إلى احتكار الكلام. يستلزم استلهام أطروحة سبيفاك في السياق العربي بناء أخلاقيات خطابية جديدة، تقوم على الشك في ادعاء الشمولية، وعلى الحذر من اختزال التعدد الاجتماعي في صوت واحد. فالمجتمع العربي ليس كتلة متجانسة، بل فسيفساء من الهويات والطبقات والتجارب. وكل محاولة لتمثيله في خطاب واحد تنطوي على عنف رمزي، حتى لو اتخذت شكل الدفاع عنه. ومن هنا، يصبح دور المثقف ليس إنتاج خطاب شامل عن  الشعب   أو  الأمة  ، بل كشف التعدد داخلها، وإبراز التوترات التي يخفيها الخطاب الرسمي أو النخبوي. يتيح لنا سؤال سبيفاك  هل يستطيع التابع أن يتكلم؟   إعادة التفكير في موقع المثقف العربي من العالم ومن مجتمعه في آن واحد. فهو يذكره بأن التهميش ليس مجرد حالة اجتماعية، بل هو أيضاً بنية معرفية تنتج الصمت بوصفه أثراً من آثار السلطة. كما ينبهه إلى أن الدفاع عن المهمشين قد يتحول، من حيث لا يشعر، إلى شكل جديد من الوصاية.

لذلك، فإن المهمة الأساسية للمثقف ليست التحدث باسم التابع، بل العمل على تفكيك الشروط التي تمنع صوته من أن يُسمع. وبهذا المعنى، يغدو المثقف مطالباً بأن يتحول من  ممثل   إلى  وسيط نقدي، ومن حامل لخطاب جاهز إلى فاعل يسائل أدواته ومفاهيمه باستمرار. إن استحضار أطروحة سبيفاك في السياق العربي لا يعني نقلها حرفياً، بل توظيفها بوصفها مرآة نقدية نرى فيها حدود خطابنا، وإمكانات تجاوزه، في أفق ثقافي يعترف بتعدد الأصوات بدلاً من ادعاء تمثيلها.