اخر الاخبار

ليس من عادتي ان اكترث كثيرًا لما يحصل معي من مُنغصات يوميّة في السنوات الأخيرة، لطالما أملك وعيي واستمتع بمباهج الحياة الصغيرة، أقصد لطالما صحّتي على ما يرام واستطيع المشي والعزف واحتساء قهوة الصباح وتَتبّع العصافير واستنشاق رائحة البحر التي تُنعش روحي. حتّى وانا على اعتاب الثمانين، لم اكن لأبالي في الحقيقة، لكن ما يؤلمني هذه المرّة بحقّ هو مرض لينا المفاجئ وذلك السعال اللعين الذي يقوّض صدرها منذ أيّام، ولولا تأخر طارق في ارسال الحوالة لاشتريت لها علاجًا من الصّيدليّة التي على الناصية حيث أعزف يوميًا.. لا أدري.. رُبّما نسي الحوالة في زحمة مشاغله.. أعانه الله في غربته.

ـ خذ الشَّال معك يا عزيزي.. البرد قارص هذا اليوم.

بيدها الراجفة أحكمت لفّ الشَّال الصوفي حول عنقي. يا إلهي! كم ذَوت وشاخت في الأيام الأخيرة. بعد ان تحوّل جسدها الصغير إلى ما يشبه القصبة الجافّة..

ـ مُر في طريقك على مكتب البريد.. ربما تكون الحوالة وصلت.. هل تظنه نسي إرسالها؟

ـ لا أدري.. مشاغله كثيرة كما تعرفين.. ربما تكون وصلت.

مسحت حقيبة الكمان الجِلديّة بعناية فائقة كعادتها كل يوم قبل أن أخرج، فقبّلتها واعتمرتُ قبّعتي وحملت الحقيبة ومضيت. وأنا أنزل السلّم، فكّرت بالسنين الماضية، عندما كانت تجلس أمام البيانو وتعزف، كما لو كانت ملاكًا، فتطير الفراشات من حولها، وتُغرّد البلابل على شجرة الحور الكبيرة التي كانت تتوسط معهد الموسيقى. لكنّها تهدّمًت الآن، منذ رحيل ولدها الوحيد طارق إلى فرنسا، ولم يعد مبلغ التقاعد الضئيل الذي اتقاضاه يكفي لسدّ حاجاتنا اليوميّة. عندما بلغتُ الشارع سمعتها تسعل بحشرجة وألم، فاعتصر قلبي. علبة دواء السعال بعشرة آلاف ليرة، لو قيض لي جمع هذا المبلغ اليوم سوف لا أشتري أيّ شئ، سأهرع إلى تلك الصيدلية واشتري الدواء، ربما أعزف مقطوعات خفيفة قد يحبّها المارّة أكثر، سأبتعد عن شوبان وفاغنر هذه المرّة، لكن ماذا سافعل مع تلك الفتاة المجنونة التي تأتي كل يوم وتجلس قرابة السّاعة أمامي وهي تسمع بحيرة البجع، قبل ان تلقي ورقة الآلف ليرة في القبّعة وتمضي، ربما لن تأتي اليوم، من يدري، لكن إن أتت سأعزف لها تشايكوفسكي مضطرًا، فأنا لا أقوى على حزنها، تلك الفتاة تحوّلت في الأسابيع الأخيرة إلى ما يشبه المرهم لوجعي، حضورها البوهيميّ يمنحني بعض السعادة والراحة النفسيّة، خصوصًا عندما تجلس على الأرض وتطوّي ساقيها وتسند كوعيها إلى ركبتيها وتحضن رأسها وهي تصغي بخشوع، ساكنة مثل تمثال حجريّ، لا تعبأ بالمارّة وتطفلاتهم! من أين تأتي.. وإلى أين تذهب.. وهل هي طالبة موسيقى يا ترى.. أم راقصة باليه؟ شكلها النحيف وجسدها الصغير يُذكّراني بلينا في شبابها، لكن تلك الفتاة مُتحرّرة قليلاً، ترتدي ثوبًا قطنيًا قصيرًا وحِذاءً رياضيًا برقبة عالية، يشبه أحذية الجنود.. عيناها؟ لا أدري.. خُيّل إليّ من لون بشرتها الحنطية انّهما سوداوان، كم تمنيت لو تقترب لأراهما عن كثب، فنظري الكليل لا يسعفني للتعرف على ملامحها وهي تجلس على مبعدة ثلاثة أو أربعة أمتار. تأتي في موعدها دائمًا.. نادرًا ما تتأخر.. هذه المرّة عندما تأتي، سأحرص على النظر في عينيها، لاسيّما حين تقترب لترمي ورقة الآلف ليرة في القُبّعة.

ما ان رآني موظف البريد من بعيد، حتّى أشار لي بحركة مفادها ان الحوالة لم تصل اليوم أيضًا.

حسناً، في الطريق إلى ناصية الشارع، حيث مكاني المعتاد، مرّرت بالصّيدليّة، كانت البائعة الشابّة تقرأ في كتاب ما وحولها المئات من علب الدواء، دواء السعال أقصد، أتخيّل الان صوت حشرجة لينا وهي تسعل ذلك السعال الجاف الذي يُمزّق قصبتها الهوائية. تلك البائعة في الداخل، هل تشعر بالسأم لقلّة الزبائن؟ هل تعيش قِصَّة حُبّ وتنتظر مكالمة من حبيبها؟ ماذا لو دخلتُ وعزفتُ لها طول اليوم، مقابل علبة دواء سعال واحدة؟

النهار أوشك ان ينتصف، وساقاي تيبستا، ولم أعد أقوى على الوقوف.. لا بأس.. سأعزف متقرفصًا، أسند ظهري إلى الجدار.. القُبّعة؟ أرى ورقتي ألف ليرة من مكاني، واحدة رماها رجل بدين مرّ من دون ان يصغي لموسيقاي، كما لو كنت مُتسوّلاً، والثانية من فتاة صغيرة أرسلتها أمها الحامل من بعيد لتضعها في القُبّعة، بعد ان وقفت تصغي للموسيقى قليلاً وهي تحتضن بطنها.. الفتاة؟ لا أدري.. لم تأتِ بعد، ربما انشغلت في أمر ما، من يعلم!

شعرت بيدي الأخرى تتيبّس، وبالكاد تتحكم أصابعي بأوتار الكمان، ورأسي ثقل جدًّا ونظري بدأ يتشوّش. عزفت حتّى الآن الكثير من المقطوعات الراقصة، لكن "هالبنت ياللي بيتها فوق الطريق حملتني اليوم لعيونك سلام" جذبت بعض الصبايا والشُبّان، شكّلوا حلقة صغيرة وراحو يردّدون الأغنية مع صوت الموسيقى، وعندما انتهيت، جمعوا ما في جيوبهم ورموه في القُبّعة التي لم يصل المبلغ فيها حتى اللحظة سوى لأربعة آلاف ليرة.. كم بقي من النهار ياترى؟ هل حلّ المساء أم ان نظري هو الذي أفل من التعب؟ لا أدري.. لن أعود اليوم حتّى أجمع ثمن دواء السعال اللعين.. سأقاوم تعبي واستمر في العزف.

فجأة رأيتها قادمة من بعيد، بمشيتها التي تشبه مشية جندي. تبدو نحيلة وطويلة قليلاً اليوم.. ها هي تقترب مني مُبتسمة.. تحمل قدحًا ورقيا فيه قهوة.. لم تجلس لتصغي هذه المرّة واستمرت بالتقدّم نحوي حتّى وصلت القُبّعة.. يا إلهي.. الآن أستطيع ان أرى عينيها جيدًا.. كم هما جميلتين.. بالضبط مثلما توقعت.. سوداوان واسعتان برموش طويلة.. أنفها الدقيق ذو الحِليَة الفضيّة الصغيرة بحجم حبّة العدس وشعرها الأسود المقصوص الذي يؤطر وجهها الأسمر الصغير. جلست أمامي وما زالت ابتسامتها الساحرة مرسومة على محيّاها.. ربّتت على ركبتي ثم ارتشفت قليلاً من قدح القهوة قبل ان تقدّمه لي، حملته بيد راجفة وقربته من شفتيّ.. انعشتني الرائحة الزكيّة.. ارتشفت منه قليلاً وأعدته إليها، لكنّها ردّت يدي برفق وهي تقول بصوت رقيق يشبه صوت الموسيقى:

ـ انّه لك أشربه

خلعتْ سترتها الرياضية، فبان ثوبها القطني القصير الذي يكشف عن أعلى صدرها وزنديها، ثم انحنت وفكّت رباط حذائها ذا الرقبة الطويلة وخلعته. وضعت السترة والحذاء وحقيبتها النسيجيّة قربي قبل ان تنحني عليّ وتهمس:

ـ تشايكوفسكي..

فشممت عطرها الهادئ الذي اجتاحني، ورحت أعزف تشايكوفسكي، حتّى شعرت بالبجع كُلّه يحلّق في سماء بيروت، والماء يقطر من أجنحته، بيّنما راحت ترقص وترقص حافية، وفي لحظة عدم يقين، خُيّل إلي انّها تطير فوق الأرض ولا تكاد تلامسها.. والفراشات تدور حولها مع دورانها الساحر، محاولة اللحاق بها. كانت تتلوّى وتتقوّس، ثمَّ تفرد ذراعيها في الهواء وتحلّق بحركات متوالية وتناسق مذهل، حتّى تجمّع الناس من حولنا مأسورين بجمال رقصها الأخاذ وعذوبة صوت الموسيقى، وراح الجميع يلقي بالليرات في القُبّعة التي امتلأت وفاضت الأوراق النقّدية من حولها وغطت حقيبة الكمان الجلّدية. كنت لا أشعر بأصابعي من فرط الحماس، وبدا الكمان قطعة من يدي، وأوتاره مثل شرايين مشدودة، والسماء قريبة جدًّا، ورائحة البحر مُسكرة.. وفجأة شعرت بكف ثقيلة تُربّت على كتفي.. كانت يد صديقي عامل النظافة العجوز:

ـ استيقظ يا صديقي لقد حلّ المساء، يجب ان تعود إلى المنزل!

نظرتُ إلى القُبّعة.. ليس هناك سوى الأربعة آلاف ليرة، والصيدلية التي على الناصية مغلقة، ومكتب البريد كذلك، ولم أعد أسمع شيئًا من حولي، سوى صوت سعال لينا الذي بدا يمزّق صدرها الحبيب في تلك اللحظات.

ـــــــــــــــــــــــــ

بيروت صيف 2018