الذكرى الرابعة لرحيل الشاعر الكبير مظفر النواب، تحولت عصر 21 أيار الماضي الى مناسبة لاستذكاره، في جلسة احتضنتها قاعة نادي المهندسين في الكرادة ببغداد، بدعوة من الجمعية العراقية لدعم الثقافة. وبحضور جمهور حاشد من المثقفين ومحبي الشعر والادب، تعاقب على المنصة التي ادارها الشاعر حسين المخزومي، كل من الشعراء رياض النعماني وعمر السراي وريسان الخزعلي، واختُتم الكلام بمداخلة بالفيديو للسيدة ميسون الدملوجي، الموجودة حينها في الخارج.
اعقبت ذلك عودةٌ الى شعر الراحل الباقي موسيقيا – غنائيا عبر بعض اشعاره المغناة والمعروفة والمحبوبة على نطاق واسع: "روحي" ، و"صويحب"، تلتها اغنية مكرسة للفقيد كتب كلماتها الشاعر رياض النعماني. وقد غناها جميعا الفنان كريم الرسام، رئيس جمعية الموسيقيين العراقيين، بمصاحبة فرقته التابعة للجمعية.
على هذه الصفحة ننشر نصوص الكلمات الأربع التي تعاقب أصحابها على تقديمها في الجلسة.
**************************
مظفر النوّاب.. القصيدة بصوت الأنثى
ريسان الخزعلي
لا يكفي الحديث – رغم الأهميّة – عن مظفر النواب، عن: نشأته، تكوينه، فكرَه، انتمائه السياسي، سجنه، منفاه وغربته. كلُّ هذا كان َ وأصبحَ معروفاً من قبل ومن بعد. المهم ّ أيضاَ أن نتحدث َ عنه إبداعيّاً، فنيّاً، ين َ يكمن تجديده، تحديثه، وأنا هنا أقصد الشعر الشعبي تحديداً. وضمن هذا الاهتمام، سأتحدّث عن القصيدة بصوت الأنثى، وليس المرأة في شعر النوّاب، فالفرق واضح بين الإثنين. والموضوع، فقرة من كتابي: بستان الرازقي–مظفر النوّاب الأسرار القصيّة في الشعر الشعبي العراقي الحديث، الصادر بطبعتين : 2015 و 2022 . ولكي أصل إلى هذا الموضوع، أحتاج بعض المقدمات البسيطة :
* .. في كتابه/ من ألواح سومر/يقول/ صاموئيل نوح كَريمر/ تعود كتابة الشاعر لشعره بصوت الأنثى إلى العصور القديمة، ومنها العصر السومري، ففي الأدب السومري أغنيّة حُبّ تُعتبر من أقدم أغاني الحُبّ في التراث الإنساني، وهي َ ليست بقصيدة حُبّ دنيويّة ، إنّما تتلوها الزوجة الملكيّة المنذورة في المناسبة الدينية التي تُعرَف باسم ِ الزواج المُقدّس .. تقول الزوجة في إغنيها :
لقد أسْرت َ قلبي فدعني أقف بحضرتك َ
وأنا خائفة مرتعشة .
أيّها العريس ، دعني أُدللك ،
فإنَّ تدليلي أطعم وأشهى من الشهد
وفي حجرة النوم الملأى بالشهد ،
دعنا نستمتع بجمالك الفاتن
أيّها الأسد دعني أُدللك ، موضعك جميل حلو كالشهد
فَضع ْ يدك َ عليه ، قرّب يدك َ عليه كرداء الجشبان.
وتُرجّح كذلك الدراسات السومرية، أن الأغنية/ لشعر قد كتبها شاعر سومري على لسان أنثى، كما توجد في ملحمة كَلكَامش بعضُ نصوص شعرية جاءت على لسان أنثى .
*.. في شعرنا العربي الحديث، يندر أن تكون هنالك قصائد قد كتبها شاعر على لسان أنثى ، باستثناء المسرحيات الشعرية وحوارياتها كما تقتضي الضرورة الفنية .
* .. في الشعر الشعبي العراقي ، وهنا أقصد الأشكال الأولى منه، كان الشعر على لسان الأنثى يظهر في نعي النساء الجنوبيات، وكذلك في شعر القصائد الحسينيّة التي تكون على لسان امرأة هاشمية، ممن شهدنَ واقعة الطَف. في كربلاء المقدّسة ، ولكن هذا الشعر بقى ظاهرة صوتيّة محدودة ومقتصرة على المناسبة ، ولم يُشكّل ظاهرة شعرية .
* .. في الشعر الشعبي العراقي الحديث ، يكون/النوّاب/ أوّل َ مَن كتب َ الشعر َ على لسان أنثى ، وله في ذلك قصائد عدّة تجديديّة وتحديثيّة. وقد أوجد ملمحاً فنيّاً/ صوتيّاً واضحاً في بعض قصائد المجموعة /للريل وحمد/والقصائد اللاحقة أو الموازية لها تاريخياً.
إن َّ كتابة القصيدة على لسان الأنثى قد يخضع لطروحات علم نفس الإبداع وانشغالات اللاوعي وحفرياته ، وأُضيف :
1- النوّاب كان يسكن ُ بيتاً واسعاً في بغداد، يمر به ِ الزائرون والزائرات خلال مواسم زيارة العتبات المقدّسة، وبنباهة ِالمُبكّرة كان يسمع نعي النساء وبإنصات عميق، ترسّب ما ترسّب َمنه ُ في وعيه ِ ولاوعيه.
2 - تجارب الحٌبّ التي لا تؤدي إلى الزواج ، ربّما كان التعبير عنها بصوته ِ قد أصبح َ صدى ً بعيداً وأراد أن يُحقق (رجعاً بعيداً) من خلال صوت الأنثى كضدٍّ نوعي، مُتحسّر ٍ عليه، وبالوقت ذاته كان يتمنّى أن يكون عمق ُ عشقه ِ وحُبّه ِ ظاهراً بمثل هذه اللوعة في روح وذات المعشوقة / الحبيبة ، مُعبّرة ً عنه بصوتها.
3 تجربة اللقاء مع المرأة في القطار النازل إلى البصرة، وما تركته تلك التجربة من أثر في أعماقه، والتي كتب َ عنها قصيدة / للريل وحمد/ ..، وكانت معظم مقاطعها على لسان تلك المرأة، وهي َ أوّل قصيدة تجديديّة له، وإثر نجاح القصيدة غير المسبوق، علقت في مكنوناته الداخلية هذه التقنية.
* إن َّ قصائد النوّاب المكتوبة على لسان أنثى، إضافة نوعيّة في تحوّلات الشعر الشعبي العراقي باتجاه التجديد والتحديث، وفيها أبدع جماليات غير مألوفة.
هاي آنه اللحظنك لا تلم روحك
أضمّك بالكَصايب عين لتلوحك
يصويحب أفيي الفيّة لجروحك .
*
ودّن عالمكاحل يا مضايف هيل
غطّنَه ابكحل دخلَه ومحبة ليل .
*
الله ، العيبي او لعب اعيونك
ضمّينَه الحنّه انتانيكم
هاي الكَذلَه اتموت ابحسنَك
والروح اخضيرَه ابطاريكم .
*
واَفل الحسره بشليلك
واَشوّفك أزغر اسراري
واَفك الشبكَه من ابعيد أغله اشراع
اَشبكَك شبكَة النسمات للنعناع
ليش الروح يامدلول يمّك تنشَرَه او تنباع؟ .
*
أشهكَ لوّن احضنت خصري ابذبح منجلَك
وايدور حَز ّ العشكَ داير مداري فَلَك
ما بين نِهْدَي .. درب قدّاح يسمَ الك
وامّيتك لذّتي او فوكَ التبرزل طعم.
*
واجوتلَك مَخدتي وانطر الشباج ، يجيبك
ياهلبت تجي او ترتاح
أكَعدلَك على افراش العرس
طركَ المسج والنوم .
*
طير ابو الكعكولَه
وامحجّل حجل حُبّي علامه
حطّت اطيور المحلّه
اوهوّه يكَلب من غرامَه ؟
..............................
الإيحاءات الجنسية في هذه الشطرات الشعريّة، أوضح من أن يُشار َ إليها.
وكخلاصة ٍ : سواء ً كانت القصيدة على لسان رجل أو امرأة، فإن/ النوّاب/ هوَ
قائلُها، وهو الصوت الأوّل فيها.
*********************************
رياض النعماني: مظفر شاعر من نوع نادر ولا يتكرر كثيراً
الحديث عن مظفر النواب يدخلنا في أحيان كثيرة في نوع من المآزق الصعبة، لأن مظفر ليس شاعراً مثل بقية الشعراء. أعني ان الشعر قبل مظفر كان شيئاً، وبعد مظفر صار شيئاً آخر. مظفر جاء منذوراً لقضية، هي في الجوهر رسالة الشعر الى العالم، أي الى الكون؛ رسالة تغيير للمجتمع والواقع، ومحاولة اختراق وكشف المستقبل.
لذلك كان الشعراء فضاء للمعرفة التي تحرك المجتمعات والتاريخ والفكر، ومن هنا كانت مشكلة الشعراء الدائمة مع السلطات، سواء الدينية أو السياسية. حتى في بدايات التاريخ، كان للشعراء موقف معروف من مجريات الحياة ومن السلطة. كانوا يزوبعون ظاهرات الواقع، حتى ان النبي محمد قال عن امرئ القيس انه حامل لواء النار الى جهنم.
ان دور الشعراء في التاريخ دور دقيق وحيوي وخطير أيضاً، لأنهم كفنانين يحاولون دفع الإنسان والمجتمع وحركة التاريخ نحو المستقبل. مظفر، بتكوينه وتركيبه وشخصيته الشعرية، فيه شيء من غموض التكوين الأول للكينونة والحياة. كما يعرف الجميع، هو بغدادي، لكن هذا لا يفسر فرادة موهبته الشعرية. مظفر بدأ من ذروة عالية جداً في الكتابة هي قصيدة "للريل وحمد ، التي تنطوي على أسرار ودقائق فنية تحتاج إلى وقت طويل لتفكيكها.
ومنذ بداياته، كان يحمل تطلعا جماليا وفكريا في آن واحد؛ فالغزل عنده ليس غزلاً حسياً فقط، بل يحمل فكراً وحركة داخلية. فهو يشتغل على تحويل الأشياء إلى وحدات بصرية وحركية، حتى تكاد اللغة تتحول إلى نظام رمزي معقد، قائم على الدوران والصورة.
الشعر الجديد، سواء العامي أو الفصيح، لم يكن له سابقاً هذا المستوى من الاشتغال اللغوي. وهذا ما يجعل التجربة محيّرة. وأنا أعتقد - وهذا رأيي الشخصي الذي لا أستطيع البرهنة عليه مختبريا - أن للشعر حقائقه الخاصة، وهي ليست علمية بالمعنى التجريبي، بل هي أقرب إلى “علوم القلب” كما عند المتصوفة.
فالفن عموماً له حقائقه ومعارفه الخاصة. هناك من تحدث من السرياليين ورامبو، وكذلك الديانات السرية القديمة، والبوذية تحديداً، من تحدث عن ان الإنسان المنذور للكليات واللامتناهي والديمومي يتجه إلى الداخل أكثر مما يتجه الخارج. ففي هذا المعنى، تتحول الابتسامة إلى اشراق يذهب نحو الأعماق كما في لوحة“موناليزا”، وكذلك تماثيل بوذا. وهذا الدخول إلى الداخل يقود إلى ما يمكن تسميته باللاوعي الكوني، وهو مفهوم يتجاوز اللاوعي الفردي عند فرويد، ليصبح أكثر شمولاً كما عند سوزوكي واوشو وغيرهم.
عند هذه النقطة، يصبح الشاعر وسيطاً بين المطلق والأرض، فيتحول الشعر إلى إشارات ورسائل، لا مجرد كتابة؛ ولهذا، أرى أن مظفر كان كأنه يستلم كلاماً من سماء المتعالي ويدونه، فيبدو كأنه ناقل لتجربة تتجاوز الوعي العادي. ولا توجد نظرية نقدية - سواء عند روزنتال أو رايش أو ريتشاردز أو غيرهم- قادرة على تفسير لحظة الكتابة هذه عند مظفر النواب.
إن مظفر لم يكن يكتب شعراً تقليدياً، بل خلق نظاماً لغوياً خاصاً به. والشاعر العظيم هو الذي تتعدد تجاربه وتتنوع كتاباته، ومظفر تنقل بين نصوص عامية وفصيحة وتجارب مختلفة، كلها تحمل بصمته الخاصة. وفي كثير من قصائده، نرى تحولات هائلة في اللغة والمعنى، حيث ينتقل من الغزل إلى الموت إلى الاحتفاء بالحياة في لحظة واحدة. ولهذا أقول: مظفر ليس شاعراً عادياً، بل تجربة استثنائية. فهو، كما يقال في الفلسفة الصوفية، كائن يتصل بالمطلق مباشرة دون الحاجة الى وسيط، فينقل ما لا يمكن نقله او قوله بلغة عادية. ومهما قيل عن فكره السياسي أو انتمائه، فإن تجربته الشعرية تتجاوز التصنيفات الجاهزة.
مظفر في النهاية شاعر من نوع نادر، يجمع بين الأرض والسماء، بين الألم والجمال، وبين الصراخ والصفاء، بطريقة لا تتكرر كثيراً في التجربة الشعرية العربية.
**********************************
عمر السراي: مظفر النواب شاعراً وموقفاً
الحديث عن مظفر النواب قد يكون حديثاً مكرراً دائماً، فالموقف الذي لا ينفك عن كينونة الشاعر هو الهدف الأول.
وأقولها دائماً: من السهل أن تكون شاعراً في العراق حصراً، فكل من في العراق شعراء؛ أهلنا، أمهاتنا، خالاتنا، أبناؤنا، حتى النخلة في العراق شاعرة.
لكن أن تكون شاعراً وموقفاً، فهذا يعني أنك مظفر النواب حصراً، ولي على هذا الشيء أدلة.
فكثير من الشعراء لم يعطوا صوتهم لطاغية أو لسلطة، لكن مظفر هو استثناء آخر. فهو لم يعدّ الشعر غاية يصل إليها، بل عدّه وسيلة لتحقيق الوطن الحلم؛ الوطن المفقود، الوطن المشرد منه، الوطن الذي أراد أن يبنيه بوصفه وطنياً في الدرجة الأولى، ويؤدي هذه الوطنية بالقصيدة، بالرسم، بالغناء، بالكفاح المسلح، وبالكفاح المكتوب.
وبذلك نحن نتعامل مع شاعر من طراز خاص، مع نسيج يختلف عن غيره، مع شاعر يطير بجناحين من شعر فصيح وشعر شعبي.
وقد تحدّث الأستاذ رياض النعماني، وهو خير من يتحدث عن مظفر النواب في منطقة القصيدة الشعبية، وكذلك سيتحدث الأستاذ ريسان الخزعلي، وهو الذي يُجيد نقد الشعر بشعبيه وبفصيحه.
لكنني سأختصر الحديث عن مظفر النواب شعبياً بأنه “سيّاب القصيدة الشعبية”، وهذا ما يعني أن القصيدة قبله كانت على شكل، وأصبحت بعده على شكل آخر.
وكما نقول إن المهلهل “هلهل” القصيدة وقصّدها، فإن مظفر صنع القصيدة العامية العراقية والعربية بقدرته الهائلة على ابتكار لغة جديدة ومعجم جديد.
أما عن مظفر النواب في منطقة الشعر الفصيح، فهو شاعر صحفي ووثائقي بمعنى أنه لا يكتب القصيدة هكذا، بل يجمع مصادرها ويلتقي بشخوصها. فالقصيدة لديه ليست تهويمات فارغة، بل تمسك الأرض لتمسّ السماء. وقد ذكر في كثير من قصائده ولقاءاته كواليس كتابتها، وكيف وصل بها إلى هذه المرحلة.
مظفر النواب هو دراما كبيرة، وليس من السهل أن تعيش ما عاشه من سجن وكفاح واعتقال وتكوين أسري وتدريس وتنقّل بين البلدان، وصولاً إلى البلد الذي فاضت روحه فيه، وأرضه التي غفا فيها. لذلك نلاحظ أن حلم العودة إلى العراق بقي حاضراً في قلبه ووجدانه.
يقول مظفر في إحدى قصائده:
“أما آن أن يهدأ العمر في حفرة في العراق…”
هذه القصيدة نلمح فيها التأثر بينها وبين قصيدة أخرى له، يختمها بقوله: “يجي يوم الناس تنزل بالسماوة، وأنا أنزل بالوطن كله واضيع”.
وهذا هو مظفر النواب في واحدة من قصائده:
“القدس عروس عروبتكم..."
هذا مظفر بجرأته، الذي قال: “اعذروني لكن جدوا لي موقفاً أسوأ من الذي نحن فيه”.
لقد ثبت مظفر على موقفه، وبقي شاعراً يروي السيرة في داخل شعره، فكثيرا ما أشار إلى الخيانة والمواقف المتبدلة، وإلى من تساقطوا قبل البراءة وبعدها، ويثبت هو على موقفه، مستحلياً الغربة ليبقى مظفراً.
لا نستغرب مواقفه، لكن من الصعب أن نفصل بين مظفر الشاعر ومظفر الثائر، فالخلط بينهما هو جوهر التجربة الشعرية عنده، لأن الشعر ليس زخرفاً لغوياً ولا رمزية للهروب من الواقع، بل هو موقف ووجود.
مظفر النواب شاعر أممي كتب عن العواصم العربية كلها، وهو عربي الهوى والانتماء والإبداع. وقد قرأت له قصائد عن كردستان أيضا وجدت فيها قيمة جمالية عالية.
وأقول في الختام: مظفر النواب وهب لنا نفسه ثلاث مرات؛ الأولى حين علّمنا الشعر، والثانية حين فتح لنا أبواب الشعر العامي، والثالثة حين علّمنا أن الشعر ليس منصة بل موقف، وأنه بندقية ضد الطغاة، وكلمة حق في وجه السلطان الجائر.
*******************************
ميسون الدملوجي: السلطة لم ترحم من يتداول قصائد مظفر النواب
أتقدم بالشكر والامتنان للجمعية العراقية لدعم الثقافة وجمعية المهندسين العراقية لإقامة هذه الندوة الاستذكارية
صعب علي الحديث عن (أبو عادل)، فالسنوات التي عرفته بها مرت مسرعة مثل نسمة منعشة، وتركت خلفها أجمل ذكريات وأكثرها معنى. كتب كثيرون عن الشاعر مظفر النواب، وعن الإنسان النبيل أبو عادل، ولكلٍ زاوية من شخصيته تحدث عنها، واذا جمعت الزوايا تتشكل صورة كاملة قد يستفيد من جمعها باحثون يوماً. وأنا أزعم انني كنت من بين الأقرب اليه لعقدين من الزمن، منذ التسعينيات حتى مرضه الأخير.
ومثل أغلب العراقيين عرفت شعره بسن مبكرة، وحفظت منه الكثير. وتورطت أيام المدرسة بتلاوة شيء من شعره أمام زميلاتي، فاتهمتني المديرة بالشيوعية.
كانت أشعار مظفر تصلنا مخبأة في المعاطف، فالسلطة لا ترحم من يتداولها، وعلى الأغلب كانت مسجلة بصوته على شريط. وبالرغم من الحذر، كانت واسعة الانتشار ويكاد لا يخلو بيت منها، بما يشبه أجواء كاسيتات انتشرت في إيران قبل الثورة عام 1979، وألهبت شارعها وكانت سبباً في تحويل مسار التاريخ.
كتبت اليه يوماً رسالة لا تخلو من دعابة بريئة، وأرسلتها مع زميلي في الغربة د. عبدالحسين الهنداوي الذي كان في طريقه الى الشام. وكانت تلك الرسالة بداية صداقة عميقة وجميلة امتدت عدة عقود، وكنا نلتقي في لندن والشام وبيروت وعمان وشيكاغو وبرلين وأبو ظبي ودبي، وأخيراً في بغداد، وكنت خلالها أمينة على ماله وأوراقه وأعماله الفنية، وعلى شيئ من أسراره.
زار أبو عادل لندن في صيف عام 1995 وبدعوة من النادي العربي، وأقام مع سعدي الحديثي أمسية شعر وغناء على قاعة جمعية الجغرافيين الملكية التي اكتظت بالحاضرين. وتفاعل الجمهور تصفيقاً ودموعاً مع قصائد النواب، ولاسيما الشعبية، وبعدها مع غناء سعدي الحديثي وبمشاركة النواب، وكانت من أجمل أماسي العمر. قدمه الشاعر بلند الحيدري، والذي تلا قصيدة "أصحيح يا مظفر.. ان غصناً طمرته الريح في الصحراء.. رغم الريح والصحراء أخضر؟"، وهي قصيدة كتبها الحيدري للنواب بعد عام 1963، وكان في بيروت، والنواب في سجن نقرة السلمان في صحراء السماوة.
وبعد تلك الأمسية بأيام قليلة سرق أحد النشالين في منطقة بيكاديللي حقيبة يد صغيرة كان يحملها النواب وفيها كل ماله وجواز سفره الليبي وبطاقة سفر العودة، وصوراً لأمه، ودفتر تليفوناته وأوراقه. وأخبرني ضاحكاً ذلك المساء بما حدث، وكأن الأمر لا يعنيه، وقال انه حزين على صور والدته فحسب. وكان النواب متصالحاً مع الفقدان، فسبق أن فقد أوراقه ولوحاته في بيروت أيام الحرب الأهلية، وفي ليبيا، حينما سرق بيته ومعه كل لوحاته، والكثير من اثاره في تنقلاته الكثيرة. وكانت خسارته الأكبر هي رحيل أمه، وكان شديد التعلق بها. ومما زاد حزنه انه سمع خبر موتها وكان وحيداً وغريباً في أحد مطارات العالم.
أثارت السرقة موجة كبيرة من التعاطف بين العراقيين، وأراد بعضهم تعويض المبلغ الذي فقده، الا انه رفض ذلك رفضاً قاطعاً، فكان كبرياؤه وعفة نفسه أكبر من أي مال. اصطحبني معه يوماً الى لقاء مع أحد الأمراء العرب في مقهى في أحد الفنادق، وكان الأمير محباً لشعر النواب، وبعد تبادل الحديث قدم له ظرفاً مليئاً بالنقود، واذا بمظفر يصيح به: إياك! ضع الظرف في جيبك ودعنا أصدقاء. ورفض أبو عادل لقاء ذلك الأمير بعدها.
زار أبو عادل لندن كثيراً في عقد التسعينيات، وكان منفتحاً على الفنون الغربية، ويحرص على الذهاب الى المعارض التشكيلية والمتاحف ودور السينما، وأتذكر خروجه مسرعاً من فلم تايتانك لأنه لم يحتمل منظر غرق السفينة ومن عليها. وكان معجباً بصوت المغنية الويلزية شيرلي باسي[1]، واحجز بطاقتين كلما أقامت حفلة في إحدى قاعات لندن الموسيقية الكبرى، فتنهال دموعه طرباً لصوتها. واصطحبته مرة الى مسرحية )اندر ملك وود( في المسرح الوطني البريطاني، والمبنية على قصيدة طويلة للشاعر الويلزي ديلان توماس[2]، أخبرني بعدها انه تأثر كثيراً بالأصوات والشخوص. ولم تقلل ذائقته للفنون الغربية من حبه لأم كلثوم، وكان ينبهني الى قدرتها في التنقل بين المقامات وذكائها في اختيار الكلمات، ومنها المفارقة في عبارة: لقيت روحي في عز جفاك بفكر فيك وأنا ناسي. وكان يحمل كاسيت أغاني داخل حسن في جيبه، ويدسه في مسجل سيارتي كلما صعد الى جانبي.
ومن الأماسي التي لا تنسى كانت دعوة في بيت الفقيد أحمد الحجية وزوجته السيدة نيران السامرائي في مساء صيفي، وجلسنا في حديقتهم الجميلة محاطين بأشجار الياسمين وعبق ورودها الزكي. كانت الدعوة على شرف أبو عادل، حضرها الشاعر نزار قباني والشاعر بلند الحيدري وزوجته الفناة دلال المفتي، وآخرون. طلبت من نزار قباني أن يقرأ قصيدة (شكراً لطوق الياسمين)، احتفاء بأشجار الياسمين حولنا، ولكنه اعتذر معللاً بأنه لا يحفظ كلماتها، وربما منعه الخجل. واذا بأبي عادل يتلو علينا قصيدة نزار بصوته الجميل، وكلما فاتته كلمة قمت والآخرين بتذكيره. استوقفني ان شاعراً كبيراً مثل مظفر يقوم بقراءة قصيدة شاعر كبير آخر مثل نزار، دون أي غرور أو تكبر مما يعرف به بعض الشعراء.
حضرت يوماً دعوة أقامتها إحدى الكنائس اللبنانية في شيكاغو مع النواب ود. سعدي الحديثي وابنته سارة، أبدع فيها الفنان الكبير وديع الصافي بتراتيل كنسية بصوته العذب، وحينما استمع الى النواب يردد التراتيل معه سلمه المايكرفون مبدياً اعجابه الكبير بصوت النواب.
سألت النواب مرة عن كنيته (ابو عادل)، فقال انه توظف في إدارة شركة هولندية تعمل في العراق قبيل ثورة عام 1958، وانه كان يقوم بتثقيف العمال بحقوقهم للمطالبة بها من إدارة الشركة التي يعمل ضمنها، ويحضهم على الإضراب عن العمل للحصول عليها. وحينما علم الهولنديون بنشاطه أنهوا خدماته، فأطلق عليه العمال كنية أبو عادل لموقفه العادل من قضاياهم. كما أنهى د. محمد مكية خدماته بعد فترة وجيزة من العمل معه بسبب نشاط النواب في الحزب الشيوعي. وأخبرني بذلك د. مكية نفسه الذي كان يكن كل التقدير للنواب.
وبالرغم من حب الناس الكبير له، الا انه كثيراً ما تعرض لكلمات ومواقف جارحة، وكنت شاهدة على بعضها، ولم يدافع يوماً عن نفسه، بل كان يدير وجهه ويمضي في طريقه صامتاً. وحينما أقرأ ما كتبه البعض من تجريح بعد موته أتذكر صمته الشامخ ذاك، وأجده أكثر بلاغة وأعمق شاعريةٍ من أي رد آخر.
ذكرياتي مع النواب كثيرة ومتفرقة، وأحياناً مبعثرة، وأجدها تداعبني أحياناً في خلوتي بالرغم من هروب الأيام وتغير الأزمان، وكأنها تقول: بفكر فيك وأنا ناسي. وأنا على استعداد أن أضع ذكرياتي معه ورسائله في خدمة أي باحث جاد في حياة الشاعر الكبير والانسان العظيم مظفر النواب.