تبلورت تجربة ناجح المعموري الثقافية في مسار متماسك عبر سنوات طويلة من العمل الدؤوب والاشتغال المعرفي المتواصل. فقد راكم منجزاً متنوعاً، توزع على حقول أدبية وثقافية شتى، مشكلاً مشروعاً معرفياً راسخاً تتقاطع فيه الموهبة الإبداعية مع الوعي النقدي. وفي هذه الإطلالة السريعة، سنحاول التوقف عند محطات أساسية من سيرته، واستعادة بعض الملامح البارزة من اشتغالاته المتعددة.
ولد عام 1944، ونشأ في كنف أسرة ريفية تعيش حياتها ببساطة في قرية (عنانة) التي تغفو على كتف شط الحلة في الجهة اليمنى المقابلة لمدينة بابل الأثرية، وتفصلها عن مركز الحلة مسافة تقارب سبعة كيلومترات. ولعبت هذه البيئة دوراً متميزاً في تكوين شخصيته وتشكيل ذاكرته وصقل ذائقته الجمالية.
التحق عام 1949 بمدرسة بابل الابتدائية التي شغلت بناية كانت سابقاً مقراً للبعثة الألمانية للتنقيب برئاسة عالم الآثار روبرت كولدفاي في مدينة بابل الأثرية، وأنهى دراسته الابتدائية، منتقلاً الى المرحلة المتوسطة في العام الدراسي 1957-1958، ثم تابع دراسته في إعدادية الحلة في الفرع الأدبي. وقد اتجه الى العمل السياسي إبان ثورة 14 تموز 1958، تعبيراً عن نضجه الفكري، ومنجذباً نحو الفكر التقدمي، ولاسيماً بالانضواء في صفوف الحزب الشيوعي، وبقي طيلة حياته مبدئياً في مواقفه رغم قسوة الظروف التي مر بها، عامراً بالأمل، صادقاً مع نفسه، وفياً لفكره وانتمائه. وأكمل دراسته لتلك المرحلة في العام الدراسي 1962-1963، ما أهله للقبول في معهد إعداد المدرسين، فرع اللغة الانكليزية ببغداد، إلا أنه ترك المعهد، مفضلاً الالتحاق بالدورة التربوية في الحلة للعام الدراسي 1963-1964، والتي كان أمدها سنة دراسية واحدة، فأكملها بنجاح، وصدر أمر تعيينه من مجلس الخدمة معلماً أواخر عام 1964. وعمل في التدريس وقد تنقل بين عدد من المدارس في مدن وقرى مختلفة، وبقي كذلك حتى تبعيث قطاع التعليم في أواخر السبعينيات، حيث نسب وظيفياً الى دائرة (ضمان بابل)، الأمر الذي دفعه مطلع عام 1988 الى تقديم طلب إحالته على التقاعد قبل بلوغه السن القانوني.
دخل ناجح عالم الأدب هاوياً في ستينيات القرن الماضي، فصار يسكب آماله على الورق، ويجعل من الكتابة مرآة لروحه الباحثة عن معنى، وقد بدأ منتصف الستينيات نشر أولى كتاباته في مجال الشعر الشعبي في جريدة (كل شيء) البغدادية، أما في مجال القصة، فنشر باكورته بعنوان (سكران) في ملحق جريدة الجمهورية الأسبوعي. ثم انساق بجانب السرد الى الكتابة في مجال الموروثات الشعبية، فأنجز العديد من الدراسات، متناولاً العادات والتقاليد والأمثال والحكايات الشعبية، فتداخل منحى البحث المعرفي مع بقية اشتغالاته الأدبية، حيث كانت انفعالاته تتدفق على الورق بهمة عالية، وتنسج بخيوط ممتدة على بساط السرد. ولما توالت وقتذاك قصصه المنشورة في الصحافة العراقية، قام بطباعة مجموعته الأولى (أغنية في قاع ضيق) عام 1969، واحتوت على ثماني قصص، وكان نتاجه القصصي الثاني، بعنوان (الشمس في الجهة اليسرى) عام 1972، وهي مجموعة مشتركة مع كل من الأدباء جهاد مجيد ومحمد أحمد العلي وفاضل الربيعي.
تعددت تجاربه بما قدمه من منجز في مجال الفن القصصي، الذي كفل له خبرة رصينة، جعلته أكثر قدرة على الإبداع، وأهلته لخوض غمار تحدي أخر، يرضي طموحه، فجنح الى التحليق في فضاء الرواية، وتكلل جهده بإصدار رواية (النهر) عام 1978، التي حازت تسلسلاً رقم (20) في تاريخ السرد الروائي العراقي. وقد استهوته لعبة السرد وفنونه، فشرع يقبض على مفاتيح العمل الروائي وتقنياته، وجادت مخيلة بفيض من الأحاسيس التي تجلت في رواية (شرق السدة.. شرق البصرة)، عام 1984، ثم في رواية (مدينة البحر) عام 1989.
بدأ شغف ناجح بالتعاطي مع الأسطورة مبكراً، عبر توظيفها واستثمارها في النصوص السردية، ثم انخرط في منتصف الثمانينيات في غمار رحلة تقصي معرفية دؤوبة عن المدونات الأسطورية البدئية التي خلفها الانسان منذ أول العصور، ينقب في الاساطير والملاحم والمعتقدات والطقوس، متفحصاً تحولات الأنظمة الثقافية وارتحال أنساقها عبر الزمن، ساعياً برؤية ثاقبة الى استظهار ما هو مسكوت عنه في تاريخ الحضارات البكرية، فبرز أسمه جلياً في المشهد الثقافي، كباحث وناقد متخصص بالفكر الأسطوري.
تمثلت منطلقات ناجح النقدية في خزين من ثقافة واسعة محتشدة بالتيارات الفكرية والاتجاهات الفلسفية بشتى المرجعيات، عربياً وغربياً، فتعددت ينابيعه، وتنوعت مشاربه، وتعرف على كافة المناهج النقدية وما يتصل بها من آليات وتطبيقات، تقليدية وحديثة، مما أتاح له تنمية حسه النقدي، واصطحاب الوعي والخيال معاً في أسلوب متدفق يمتاز بالوضوح والرصانة، وامتلاك مفاتيح إنتاج الخطاب النقدي، من ناحية التفسير والتحليل والتأويل، وبالاعتماد على التعقل والرؤيا والتأمل والتبصرِ. وصار يتوكأ في قراءاته النقدية على مكوناته الثقافية بصورة مجتمعة، يكمل بعضها البعض، لاسيما ونحن نعيش في عصر تتداخل فيه المعرفة، كما أن الحقيقة بالضرورة هي حقيقة نسبية مُفًرقة، مما يتطلب أيضاً لاستكناهها آليات نسبية، وجاءت قراءاته فيما يشبه البحث عن اكتمال الرؤية، بالاستناد الى بؤرة مركزية هي منهج النقد الأسطوري، التي منحته القدرة على التوقف عند موضوع توظيف الأسطورة فنياً ودلالياً، وأن يفك مغاليق النصوص الإبداعية وشفرات محمولاتها، بحيث يقوم بإحالة كل ما يتبدى واضحاً أو يغور متخفياً من دلالات الرموز الميثولوجية في مختلف مجالات الإبداع الى منبعه الأسطوري.
ويمضي في ميدان الأسطورة باتجاه البحث والتقصي، فيفتح أبواب الماضي، ويتسلل في تطوافه التنقيبي الى مديات قصية، ينفذ الى أسرار الميثولوجيا وآفاقها الواسعة. وقد توالت اشتغالاته المتدفقة في انجاز عدد من الدراسات الثقافية التي عنيت بمنحى التشابك بين ميثولوجيات الشرق (العراقية والمصرية والكنعانية)، واهتم باستجلاء علاقاتها المتداخلة مع النصوص التوراتية المولّدة، وتسليط الأضواء على ثغرات النصوص ذات النظرة الأحادية، وبذلك فأنه قد أسهم في الرد على الكثير من الاختلاقاتِ وتفنيدها.
ان مشروع المعموري المعرفي، قد تشكل بمرور الزمن من دون خطة مسبقة، وإنما بالمثابرة على الحرث في أرض بكر، فكلما أكمل منجزاً، صار يعاين مكانه، ويتحسس قدميه، ويمضي نحو الجذور والاصول بحثاً عن الجديد، وبذلك تشكلت لديه سلسلة متواصلة من حلقات متعددة، ومنطوية على سياق محدد، فكبرت الطموحات، وتوضحت هياكل المشروع وارتكازاته، وغدت استدامته هي المرتجاة، وأصبح من الممكن أن ندرج مشروعه المعرفي المرتبط بالنقدِ الثقافي ضمن نطاق الدراسات الميثولوجية المُقَارَنَةِ. ويتجلى هذا المسار في سلسلة منَ المؤلفات التي توثق تطور مشروعه المعرفي وتبلور رؤيته الميثولوجية، مثل موجات تتوالد من بعضها بالتعاقب، فعلى سبيل المثال كان للتوراة الحظ الأوفر في اهتمامه، فبدأ في مبحثه بكتاب (موسى وأساطير الشرق)، سنة 2001، ثمَ تلته في سنة 2002 ثلاثة أعمال هي: (التوراة السياسي: السلطة اليهودية أنساقها ووظائفها) و(أقنعة التوراةِ: تزوير الرموز واستبدال العقائد والأساطير). و(الأسطورة والتوراة: قراءة في الخطابات الميثولوجية). ثمَ أصدر (تأويل النص التوراتي أسطورة نبات اللفّاح وعقائد الخصب الكنعاني)، سنة 2008. و(ملحمة جلجامش والتوراة)، سنة 2009.
و(الأصول الأسطورية في قصة يوسف التوراتي)، سنة 2012. و(تأويلَ النصِ التوراتي: قميص يوسف أنموذجاً)، سنة 2014. وختاماً (التوراة وطقوس الجنس المقدس)، سنة 2015.
ناجح المعموري أحد الأسماء البارزة في ميدان الأدب والثقافة، غزير الإنتاج، تجاوزت مؤلفاته الخمسين كتاباً، ومن يعرفه سيعرف بأنه يتميز بسعة المعرفة، يمتلك عيناً ثاقبة، وذهناً متقداً، ومخيلة مبدعة، وذائقة شفيفة، وملكة سردية متدفقة، وذلك مقترن بعقل نقدي شكاك يضج بالأسئلة، التي تفضي الى وعي معرفي رفيع، وكل تلك الملكات تجاورت في وجدانه، وتعمقت في مكوناته الثقافية، ونحن هنا لا نبالغ ولا نجد حرجاً إذا قلنا أنه يمثل في المشهد الثقافي، نموذج المثقف الموسوعي، وأحد سحرة الكلام، له مقدرة فائقة على الشفاهية قل نظيره.
وفي مختتمِ القولِ، حين أستعيد شريط معرفتي بناجح، لا يتبدى لي إلا مسيرة مضيئة مفعمة بالإبداع، وتظل روحه تفيض علينا بألق ما قدمه من منجز رصين في مؤلفاته الأدبية والثقافية. ولا يبقى في الخاطر الذي طاف بذهني أصدق من الصوت الشعريِ الذي يقاوم صمت الغياب، مهما تناءت المسافات، وتلبسنا الإحساس بفقدان الزمان والمكان، فلا نجد أبلغ من أن نستعير بيتاً للجواهري، يقول فيه:
تحيةً لم أجدْ منْ بثِ لاعجِها
بُداً، وإنْ قامَ سداً بيننا اللحدُ