يبدو أن الفلاح والمزارع في العراق يمثلان الحلقة الأضعف في السلسلة الزراعية، والأكثر تحملا للخسائر مقارنة بالتاجر والوسيط والسمسار والبقال. فبينما يتحمل المزارع كلفة الأرض والبذور والأسمدة والمبيدات والوقود والمياه والآلات، فضلا عن أشهر طويلة من العمل والمخاطر المناخية والإنتاجية، تنتقل المحاصيل بعد خروجها من الحقل إلى سلسلة من الوسطاء الذين يحصل كل منهم على هامش من الربح.
وهنا تكمن واحدة من أعمق المشكلات الهيكلية في القطاع الزراعي: من ينتج ويتحمل المخاطرة يحصل غالبا على أقل حصة من القيمة النهائية، بينما تتراكم الأرباح في حلقات التسويق والتداول.
المشكلة تبدأ من طبيعة المحاصيل الزراعية نفسها، فالكثير منها سريع التلف ولا يحتمل الانتظار طويلا، الأمر الذي يجبر الفلاح على بيع محصوله فور الحصاد، حتى لو كانت الأسعار في أدنى مستوياتها. ومع غياب البنى التحتية الكافية للتخزين، ولا سيما مخازن التبريد والفرز والتدريج، يفقد المنتج أهم أدوات التفاوض: القدرة على الانتظار.
فالذي لا يستطيع تخزين محصوله يكون مضطرا للبيع، ومن يملك المال والتخزين يستطيع الانتظار حتى يتحسن السعر.
وتزداد المشكلة بسبب ضعف التسويق التعاوني. فغالبية المزارعين يعملون بشكل منفرد، ويواجهون تجار الجملة والوسطاء وهم يمتلكون قدرة مالية وتنظيمية أكبر. ولو كانت هناك جمعيات وتعاونيات زراعية قوية تتولى جمع المحاصيل وفرزها وتخزينها وتسويقها، لأصبح المزارع أكثر قدرة على التفاوض والحصول على سعر عادل.
ولا تتوقف الخسارة عند هذا الحد. فالفلاح يتحمل منفردا مخاطر تغيرات الطقس والآفات والأمراض الزراعية، فضلا عن ارتفاع أسعار الأسمدة والمبيدات والوقود وتكاليف الري والعمالة والمكننة، من دون وجود ضمان حقيقي يحمي دخله عندما تنخفض الأسعار.
ثم تبدأ رحلة المحصول من الحقل إلى المستهلك عبر سلسلة طويلة من الحلقات: سمسار، تاجر جملة، تاجر تجزئة أو بقال، وأحيانا أكثر من وسيط بين هذه الحلقات. وكل حلقة تضيف هامش ربح وتكاليف نقل وعمولات، حتى يصل المنتج إلى المستهلك بسعر قد يكون أضعاف السعر الذي حصل عليه الفلاح.
والأخطر من ذلك هو التمويل المسبق. فكثير من المزارعين يضطرون إلى الاقتراض من التجار لشراء مستلزمات الموسم، وعندما يأتي موعد الحصاد يجد نفسه ملزما ببيع المحصول للدائن وبالسعر الذي يحدده، لتتحول الحاجة إلى التمويل إلى أداة أخرى تضعف موقف المنتج.
معالجة هذا الخلل لا تتطلب إجراءات معقدة بقدر ما تحتاج إلى إعادة تنظيم العلاقة بين المنتج والسوق.
أولى الخطوات تتمثل في تفعيل التسويق المباشر وإنشاء أسواق ومنافذ بيع تربط المزرعة بالمستهلك، بما يقلل عدد الوسطاء والفجوة بين سعر المنتج وسعر البيع النهائي.
كما يجب دعم الجمعيات والتعاونيات الزراعية لإنشاء مراكز متخصصة لجمع المحاصيل وفرزها وتدريجها وتخزينها وتبريدها. فالتخزين لا يحافظ على المنتج فقط، بل يمنح الفلاح القدرة على اختيار الوقت المناسب للبيع.
ومن الضروري أيضا وضع سياسات وتشريعات تنظم أسواق الجملة والعمولات، وتوفر أسعارا استرشادية تحمي المنتج في المحاصيل الاستراتيجية، بما يضمن للفلاح هامشا عادلا ومجزيا من الربح.
أما التمويل، فيجب أن يكون جزءا أساسيا من الحل، من خلال توفير قروض زراعية ميسرة ومدعومة عبر المصارف الحكومية والمؤسسات المتخصصة، حتى لا يبقى الفلاح مضطرا إلى الارتهان للوسطاء والتجار منذ بداية الموسم.
إن حماية الفلاح ليست دعما لفئة اقتصادية على حساب أخرى، بل حماية لسلسلة الإنتاج الغذائي بأكملها. فحين يخسر الفلاح ويترك أرضه، لا يخسر العراق منتجا فقط، وإنما يخسر جزءا من قدرته على تحقيق الأمن الغذائي.
الفلاح الذي ينتج الغذاء يجب ألا يكون الحلقة الأضعف في السوق، بل الحلقة التي تبدأ منها العدالة في توزيع قيمة هذا الغذاء.
ــــــــــــــــــــــــ
*مهندس زراعي استشاري