حين تتحدث الحكومات عن خصخصة الشركات، تتحدث عادة بلغة الأرقام: خسائر، أرباح، استثمارات، إنتاجية وكفاءة. لكن خلف كل رقم هناك عامل له قصة مختلفة تماماً، قصة راتب، وسنوات خدمة، ومهنة تعلمها، وآلة أمضى في تشغيلها عمره، وأسرة تنتظر في نهاية كل شهر راتبه.
بالنسبة إلى العامل، الخصخصة ليست قراراً اقتصادياً مجرداً. إنها لحظة تهتز فيها حياته المهنية. قد يسمع أن الشركة ستصبح أكثر كفاءة، لكنه يسأل سؤالا بسيطا: ماذا سيحدث لي؟
عامل في شركة صناعية أمضى أكثر من عشرين عاماً في قسم الصيانة لا يرى نفسه موظفا يمكن نقله بورقة إدارية. خبرته تراكمت داخل المصنع نفسه؛ يعرف الأعطال، ويعرف الآلات، ويعرف كيف يعيد تشغيل خط إنتاج متوقف. وعندما يجري الحديث عن نقل العمال إلى وزارات أخرى تمهيدا لإعادة هيكلة الشركة، يشعر بأن الدولة لا تحميه، بل تسحب منه المكان الذي صنع فيه خبرته.
يقول عامل من هذا النوع، "أنا لا أملك شهادة أخرى أبدأ بها من جديد. مهنتي هي المصنع، وخبرتي كلها هنا. إذا نقلوني على ملاك وزارة أخرى، ماذا أفعل بالخبرة التي اكتسبتها بكل هذه السنوات؟".
هذه التجربة تكشف جانباً لا يظهر في البيانات الحكومية. فالعامل لا يخسر بالضرورة وظيفته فوراً، لكنه قد يخسر معنى وظيفته. يصبح موجوداً على ملاك وزارة، لكنه بعيد عن المهنة التي أمضى حياته في إتقانها.
وعاملة أخرى أمضت 17 عاماً في مصنع حكومي تواجه المشكلة من زاوية مختلفة. راتبها بالكاد يغطي احتياجات الأسرة، وهي تضطر إلى الاستدانة قبل نهاية الشهر. بالنسبة إليها، الحديث عن الخصخصة لا يبدأ من "تطوير الإنتاج"، بل من الخوف من فقدان مصدر الدخل الوحيد. تقول: "نحن لا نرفض تطوير المصنع، لكننا نريد أن نعرف ماذا سيحدث لنا. لدينا عائلات والتزامات".
هنا تتضح المفارقة: الحكومة قد ترى العامل "كلفة"، بينما يراه العامل نفسه صاحب حق في الاستقرار بعد سنوات من العمل.
هذه التجارب اليومية تجعل التحليل الماركسي للخصخصة أكثر وضوحاً. فمن منظور ماركسي، العامل ليس مجرد عنصر من عناصر الكلفة. إنه المنتج الأساسي للقيمة الجديدة. وعندما تنتقل الشركة من الملكية العامة إلى الملكية الخاصة، تنتقل معها سلطة اتخاذ القرار بشأن العمل والأجور وعدد العمال واتجاه الإنتاج.
ولهذا فإن العامل الذي كان يواجه إدارة الدولة يجد نفسه أمام علاقة جديدة مع رأس المال الخاص. المستثمر لا يدخل المصنع بدافع الحفاظ على الوظائف بحد ذاتها، وإنما لتحقيق أقصى ربح من الاستثمار. ومن هنا يمكن أن يصبح خفض كلفة العمل، بما فيها الأجور وعدد العمال، جزءاً من استراتيجية زيادة الربح، وهذا ما يخشاه العمال تحديداً.
عامل آخر قد يكون قد أمضى 25 عاما في الشركة، ويكتشف بعد الخصخصة أن سنوات خدمته الطويلة لا تمنحه بالضرورة الأمان الذي كان يتوقعه. قد تتغير صيغة العقد، أو تتراجع بعض المزايا، أو يصبح بقاؤه مرتبطاً بمؤشرات الإنتاج والربحية. فجأة تتحول سنوات الخبرة التي كان يفخر بها إلى رقم في ملف الموارد البشرية.
والأكثر قسوة أن العامل قد يجد نفسه في منافسة مع عامل جديد يقبل أجراً أقل. هنا يظهر ما يسميه التحليل الماركسي "جيش العمال الاحتياطي". وهكذا لا يحتاج المستثمر إلى تهديد العامل صراحة. يكفي أن يعرف العامل أن هناك من يمكن أن يحل محله حتى يبدأ بالتنازل عن جزء من مطالبه.
لكن السؤال الأكبر يبقى: لماذا يحّمل العمال ثمن فشل الشركات؟
العامل لم يقرر توقف خطوط الإنتاج. لم يضع سياسة الاستيراد. لم يحدد ميزانيات الشركات. ولم يكن مسؤولاً عن عدم تحديث الآلات. ومع ذلك، عندما تصل الشركة إلى مرحلة الخصخصة، يكون العامل أول من يطلب منه التكيف مع النتائج.
وهنا يصبح نقل العمال إلى وزارات أخرى إشكالياً. فإذا كان الهدف حماية العامل، فالحماية الحقيقية تعني الحفاظ على أجره وحقوقه وتخصصه، لا مجرد نقله بعيداً عن المصنع بينما يترك المصنع نفسه لمصير مجهول.
العامل لا يريد أن يبقى في شركة خاسرة إلى الأبد. هو يريد مصنعاً يعمل، وآلة حديثة، وإدارة كفوءة، وسوقاً للمنتوج، وأجراً عادلا. أي إنه يريد إصلاح الصناعة، لا إلغاء الصناعة.
ومن هذه الزاوية، فإن الموقف الماركسي لا يختزل المسألة في شعار "ضد الخصخصة" فقط، بل يطرح سؤالًا أعمق: من يملك المصنع، ومن يقرر مستقبله، ومن يحصل على ثمار الإنتاج؟
إذا ارتفعت أرباح الشركة بعد الخصخصة بينما انخفضت أجور العمال، أو تقلص عددهم، أو تحولت وظائفهم إلى عقود هشة، فإن ارتفاع الأرباح لا يعني بالضرورة أن المجتمع أصبح أكثر رفاهية. فالخصخصة قد تغيّر اسم المالك في الوثائق خلال يوم واحد، لكنها لا تستطيع محو عشرات السنين التي تركها العمال داخل المصنع.
ولهذا فإن معيار أي إصلاح صناعي حقيقي يجب ألا يكون عدد الشركات التي بيعت، ولا حجم رأس المال الذي دخلها، بل سؤالا أبسط وأكثر عدالة: هل أصبح العامل بعد الإصلاح أكثر أمناً، وأفضل أجراً، وأكثر قدرة على التحكم بمصيره؟
إذا كانت الإجابة "لا"، فربما لم تكن العملية إنقاذاً للصناعة بقدر ما كانت إنقاذاً لرأس المال من كلفة العمال.