ليس من السهل أن يُكتب تاريخ العراق في كتاب واحد. فكيف يمكن اختزال خمسة آلاف عام من نشوء المدن والإمبراطوريات والحروب والأديان واللغات والثقافات، من دون أن يتحول التاريخ إلى سجل جاف للملوك والمعارك؟ هذه هي المعضلة التي يواجهها الصحفي والكاتب الأميركي بارتل بول في كتابه Land Between the Rivers: A 5,000-Year History of Iraq، الصادر عام 2024 عن دار Grove Atlantic. وهو كتاب لا يكتفي باستعراض الماضي، بل يحاول استعادة العراق من الصورة المختزلة التي حاصرته بها السياسة الحديثة، وإعادته إلى سياقه الأوسع: سياق الجغرافيا والتاريخ والحضارة.
تكتسب محاولة بول أهميتها من تجربته الشخصية؛ فهو صحفي متخصص في شؤون الشرق الأوسط، كتب لعدد من أبرز الصحف والمجلات العالمية، وعمل مراسلاً في العراق بين عامي 2004 و2008، أي في مرحلة شديدة الاضطراب من التاريخ العراقي الحديث. كما ارتبط بعالم فنون وآثار الشرق الأدنى القديم في متحف المتروبوليتان للفنون في نيويورك. لذلك لا يكتب العراق من مسافة المؤرخ الأكاديمي وحده، ولا من انطباع الصحفي العابر، وإنما من تقاطع الذاكرة الميدانية مع المعرفة التاريخية. وهذا التقاطع هو أحد مصادر قوة الكتاب.
ينطلق بول من أطروحة مركزية تبدو في ظاهرها بسيطة، لكنها تحمل دلالة سياسية عميقة: العراق الحديث دولة حديثة، لكن العراق التاريخي ليس اختراعاً حديثاً. فالدولة العراقية بحدودها ومؤسساتها السياسية تشكلت في القرن العشرين، في ظل الانتداب البريطاني، غير أن الأرض الواقعة بين دجلة والفرات كانت قبل ذلك بآلاف السنين فضاءً متصلاً للمدن والطرق التجارية والإمبراطوريات والهجرات والتفاعلات الثقافية.
من أوروك وجلجامش يبدأ الكتاب رحلته الطويلة. ففي جنوب بلاد الرافدين ظهرت المدن الأولى والكتابة في الألف الرابع قبل الميلاد، ومنها انطلقت تحولات غيّرت مسار التاريخ الإنساني. ثم تتوالى الطبقات الحضارية: السومريون، الأكديون، البابليون، الآشوريون، الفرس، اليونان، العرب، المغول والعثمانيون، وصولاً إلى البريطانيين والعراق الملكي. لا تظهر هذه القوى في سرد بول كأسماء متعاقبة فحسب، بل كقوى تركت بصماتها في اللغة والمدينة والاقتصاد والذاكرة السياسية والاجتماعية.
غير أن القيمة الحقيقية للكتاب تكمن في قراءته العراق بوصفه ملتقى حضارياً واستراتيجياً. فموقعه بين الأناضول وإيران وبلاد الشام والخليج جعله جسراً بين عوالم مختلفة، لكنه جعله أيضاً هدفاً دائماً للإمبراطوريات. ولذلك فإن تاريخ العراق، في منظور بول، ليس تاريخ عزلة، بل تاريخ تفاعل مستمر بين الداخل والخارج؛ بين القوى المحلية والإمبراطوريات التي جاءت من وراء الحدود.
ومن هنا تأتي أهمية رفض مقولة العراق بوصفه «دولة مصطنعة». فهذه العبارة، على الرغم من أنها تستند إلى حقيقة أن بريطانيا أسهمت في تشكيل الدولة العراقية الحديثة، تختزل تاريخاً أكثر تعقيداً. وقد اكتسبت هذه النظرة حضوراً سياسياً واضحاً، خصوصاً مع الطروحات التي دعت إلى تقسيم العراق وفق خطوط طائفية وإثنية، باعتبار أن الدولة الحديثة جمعت مناطق مختلفة لا رابط تاريخياً بينها.
لكن التاريخ الذي يستعرضه بول يقاوم هذا التفسير الأحادي. فالعراق لم يكن كتلة متجانسة، لكنه لم يكن أيضاً مجموعة جزر منفصلة. لقد عرف، عبر قرون طويلة، التداخل السكاني والثقافي والاقتصادي، كما شهد تعايش المسلمين والمسيحيين واليهود، والعرب والكرد والتركمان وسواهم. وهذا التنوع لم يمنع الصراعات، لكنه يؤكد أن الهوية العراقية لا يمكن اختزالها في الانتماء الطائفي أو الإثني وحده.
ومع ذلك، لا يقدم بول ماضياً مثالياً خالياً من العنف والانقسامات. وهذه نقطة مهمة في منهجه؛ فهو لا يستبدل أسطورة «العراق المصطنع» بأسطورة «العراق المتجانس»، بل يحاول النظر إلى التناقضات بوصفها جزءاً من تكوين البلاد نفسه. فالتاريخ العراقي كان دائماً مزيجاً من الوحدة والتشظي، ومن الاستقرار والحرب، ومن الانفتاح والعزلة.
وتظهر خلفية بول الصحفية في طريقته في سرد التاريخ. فهو يقترب من الشخصيات والأماكن والأحداث الكبرى من خلال التفاصيل الإنسانية، بحيث لا يبقى جلجامش مجرد شخصية أسطورية، ولا تبقى بغداد العباسية مجرد عاصمة لإمبراطورية، ولا يصبح الاحتلال البريطاني والغزو الأميركي مجرد فصلين سياسيين. التاريخ هنا يتحول إلى تجربة بشرية، وإلى ذاكرة تتراكم فوق المكان.
وقد تكون أطروحة بول قابلة للنقاش حين تربط العراق المعاصر بماضيه القديم ربطاً مباشراً؛ فالتاريخ يعرف أيضاً انقطاعات وتحولات عميقة لا يجوز تجاوزها. كما أن الجغرافيا وحدها لا تفسر نشوء الدولة الحديثة أو الهوية السياسية. لكن أهمية الكتاب لا تتوقف على صحة كل استنتاجاته بقدر ما تكمن في السؤال الذي يضعه أمام القارئ: ماذا نخسر عندما نقرأ العراق فقط من خلال حروبه وأزماته الحديثة؟
فالعراق ليس ثورة ١٤ تموز 1958، ولا حرب الخليج، ولا احتلال 2003، ولا الصراع الطائفي وحده. إنه أوروك وبابل ونينوى وبغداد؛ الكتابة والأسطورة والقانون؛ تعدد الأديان واللغات؛ وذاكرة خمسة آلاف عام من التفاعل بين الإنسان والمكان. ومن هذه الزاوية، تصبح الأرض بين النهرين محاولة لإخراج العراق من أسر الحاضر، وإعادته إلى الزمن الطويل؛ حيث لا تكون الدولة سوى فصل في تاريخ أقدم منها بكثير، وحيث يصبح فهم الماضي شرطاً ضرورياً لفهم العراق الذي ما زال يصارع أسئلة الحاضر.