اخر الاخبار

التقيتُ به في أوقات وأماكن وحالات متباينة لكلينا؛ نسيتُ أغلبها، لكنه أعادها وثبّتها من جديد في ذاكرتي. يمتلك قدرة عجيبة على إعادة إصدار نسخ جديدة للذكريات المفقودة، (نسخ طبق الأصل)، لكنها نسخ شفاهية تتعرض كسابقتها للضياع. لهذا السبب وغيره، واظب أبو حالوب على الحضور في الوقت المحدد والمكان المحدد كل يوم في مقهى "الروضة" في قلب دمشق. وقد كلف نفسه بصيانة السجل الشفاهي لحياة من عرفهم وما يحيط بهم، وأدرك أنه ضروري للآخرين، وتلك الضرورة هي ما جعلت منه مصدر ثقة، وزادته اعتزازاً بنفسه وقد تحوّل إلى أيقونة، أو ربما رأى في ذاته طوطماً يؤمّه الناس من كل صوب وحدب. أبو حالوب رجل عاطل، بلا تأهيل ولا خبرة، ضئيل الجسد نحيف، هادئ يتبارى في تواضعه مع المكان والطاولة الخشبية فاقدة اللون مقشوطة الوجه والكرسي المفتقر للمساند... ثمة ائتلاف تاريخي بين المكان وجسد لا يجيد شيئاً غير الجلوس من ساعات النهار المبكرة حتى ساعات الليل. وإذا أمضّه الجوع خلال ساعات دوامه غير الرسمي، يقفز (يخطف نفسه) إلى المطاعم المجاورة للمقهى؛ مطاعم "على الواقف" تبيع ما يسد الرمق. عاش على هامش المدينة دون دور مباشر في حركة المجتمع، (مضرب عن العمل كما يصفه الشاعر محمد مظلوم)، ويكتفي باقتناص الأحداث عبر الهاتف، وما يقرأه في الصحف اليومية، وما ينقله الأصدقاء والضيوف العابرون. لم يخلُ مجلسه الصغير من ضيف قادم من بعيد أو مقيم على وشك الرحيل، فيعرف منهم ما يغذي سجله المدني الماثل في حياده والمحافظ الخالي من العواطف. فهو يدون الأحداث بعد غسلها مما علق بها من آثار نفسية، ويخزنها دون ملاحظات أو هوامش؛ إذ تتلخص مهمته في الحفظ والتسجيل وتتسامى عن نزعة الأدب وانفعالاته. إنه نموذج "تشيخوفي" بماهية عراقية؛ ذكي، لماح، ساخر، عنيد وباسل في ساحة معركة لا أحد فيها غيره، فأعداؤه مشغولون بمعارك أخرى هي ذاتها التي يجني منها أبو حالوب أحداث سجلاته التاريخية. تترفع مهامه عن الانخراط في الصراعات لتتركز في تدوين خلاصاتها التي سرعان ما تُهمل وتُنسى... وسيكون مقابل استردادها جلسة مع ابي حالوب في مقهى الروضة. ينسج أبو حالوب شبكته العنكبوتية بدأب وحرص ويراقب خيوطها، وحالما يشعر بارتخاء خيط فيها يسعى لربطه وشده؛ فهو يرفض تماماً أن يدع الزمن يعبث بنظامها الدقيق! لأسباب خاصة تغير مكان إقامتي ورقم هاتفي وانقطعتُ عن الآخرين إلى حد ما، فشعر بارتخاء في شبكة خيوطه، وأن ثمة مفقوداً عليه للبحث عنه، وعلمت من صديقنا المشترك رياض نعمة؛ أن أبا حالوب يسأل عني، فاتصلت به وكان كل ما يهمه هو أن يعرف أين أنا (المكان تحديداً)، وأبلغني بعبارة موجزة: " أنا بخير في عمّان"... فهو يقلقه الفراغ في ذاكرته؛ إذ لا يملك غيرها، فهي هويته وماهيته. لم يعد في الشام ما يغري بالبقاء في "روضتها" فلا قادم عابر يحمل اليه اخبارا، ولا راحل منها يودعه، فكيف تتأسس الذاكرة؟ لا بد أنه سأل نفسه هكذا واجاب على سؤاله بالرحيل منها إلى مفترق طريق آخر للعراقيين، عمان.   بيولوجياً، يتم تخزين الذكريات عبر إشارات كيميائية وكهربائية لها وظائف عدة في اشتباك عصبي مركب، وقد اختص أبو حالوب بأكثرها تعقيداً وحساسية: "الذاكرة طويلة المدى"؛ المخزن الأكبر في مملكة العقل البشري، وهي ذاكرة صريحة تشمل الحقائق والذكريات الشخصية السِيَرية، وتُعنى بالروابط الإنسانية وتتأسس وتستمر بناءً على "ذاكرة مشتركة"، حيث يتصدر دوافعَها بناءُ الثقة والأمان عبر تراكم التصرفات والمواقف، كما تُشكّل هماً هوياتياً يدمج الأفراد في كُلٍّ واحد... وكان لبيد رشيد بكتاش هو هذا الكُلّ في شخص واحد، الذي خسرنا برحيلة ذاكرة شعب لا مثيل لها.

سلام على روحك يا لبيد رشيد بكتاش، يضيء طريقك نور الكون.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*عامل مطبعة دار الرواد في السبعينيات.

**فنان تشكيلي؛ ناقد وروائي عراقي يقيم حالياً في النرويج.