اخر الاخبار

إن الاعتماد على القروض الخارجية في معالجة الازمات الاقتصادية والمالية هو أسوأ الحلول، لأن هذا الخيار لا يعالج جذور الأزمة، وانما يؤجل انفجارها. وقد وقع العراق في شباك صندوق النقد الدولي، كغيره من البلدان التي انخدعت بشعارات الصندوق بما يقدمه في بداية الأمر من تسهيلات وإغراءات مالية بهدف استدراجها إلى مصيدة الديون الخارجية.

ان المصادر الحكومية تتستر على الأرقام الحقيقية التي بلغتها الديون الخارجية، فوفقاَ لتقارير صندوق النقد الدولي، فإن ديون العراق الخارجية تفاقمت بشكل سريع، فسجلت 98 مليار دولار في عام 2015، وأكثر من 122,9 في عام 2017. ويدفع العراق خلال الفترة 2014-2020 إلى الجهات الدولية الدائنة أكثر من 10 مليار دولار سنوياَ كأقساط وفوائد.

وبحسب بيانات البنك المركزي العراقي فإن ديون العراق الخارجية بلغت 54,1 مليار دولار في عام 2026،  والدين الداخلي تجاوز 103 ترليون دينار بما يعادل 78,8 مليار دولار وبذلك يصل حجم الدين العام إلى أكثر من141 مليار دولار خلال العام 2026.

وقد خلفت الديون الخارجية آثاراَ مدمرة وساهمت مع الفساد والمحاصصة وسوء إدارة الدولة، في تفاقم الأزمة الاقتصادية والمالية وأدت إلى تعميق تبعية العراق الاقتصادية والمالية والتجارية للبلدان والمؤسسات المالية الدولية الدائنة عن طريق العمل بشروطها.

ووفقاَ لما صرح به ديفيد ليبتون نائب رئيس صندوق النقد الدولي في مؤتمر إعادة أعمار العراق بمنتصف شباط عام 2018 فإن ( العراق سيضطر لدفع 60 بالمئة من عائداته لصندوق النقد الدولي لكي يتمكن من تسديد الديون المترتبة عليه). وتعني هذه التصريحات التي لم تعر لها الحكومة العراقية اي اعتبار، أن العراق سيكون شبه عاجز عن دفع أعباء الديون الخارجية. وقد تحققت أولى توقعاته بتلكؤ الحكومة عن دفع رواتب الموظفين والمتقاعدين في عام 2026، لولا الاستعانة بالقروض.

وأدى إذعان الحكومة لشروط صندوق النقد الدولي إلى تخفيض سعر العملة العراقية بنسبة 20 بالمئة مما أدى إلى ارتفاع أسعار السلع الأساسية بين 30 بالمئة إلى 40 بالمئة وتآكل القيمة الشرائية لرواتب الموظفين والمتقاعدين بنسبة بين 25 بالمئة إلى 30 بالمئة إضافة إلى فرض الرسوم المرهقة على خدمات الصحة والتعليم وزيادة اسعار المشتقات النفطية وأجور المياه والكهرباء والانترنيت، وتقليص مفردات البطاقة التموينية للتهيئة إلى الغائها.

ومن التبعات السلبية لتخفيض سعر الدينار العراقي تعزيز قيمة الدولار الذي يؤدي بدوره إلى زيادة مديونية العراق الخارجية واعبائها. وبحسب احصاءات البنك الدولي، فإن العراق منذ عام 2003 وحتى الآن،  سجل نسباَ غير مسبوقة من الفقر وصلت إلى 50 بالمئة من الأطفال الفقراء في المحافظات الجنوبية. ونحو 41,2 بالمئة في المناطق المحررة، و30 بالمئة في المناطق الجنوبية، و23 بالمئة في الوسط، و12,5بالمئة في إقليم كردستان.

ومن تبعات الديون الخارجية تصفية القطاع العام وتحويل مؤسساته إلى القطاع الخاص المحلي والاجنبي. وقد أدت إصلاحات صندوق النقد الدولي كاستجابة لإعادة جدولة المديونية إلى تدمير معظم المؤسسات الانتاجية وتسريح الجزء الأعظم من العاملين فيها، والتوقف عن التعينات في قطاع الدولة وزيادة البطالة واتساع الفجوة بين الفقراء والأغنياء وإنهاء مجانية الصحة والتعليم وأصبح المواطن يدفع أجوراَ عالية ولا يحصل إلا على خدمة سيئة. ونستنتج من ذلك أن هذه الاجراءات الجائرة وغيرها من الإجراءات الاخرى، لا يمكن أن تفرض على بلد غني كالعراق لولا وقوعه في مستنقع الديون الخارجية.

ومن التداعيات المدمرة للديون الخارجية خصخصة الاقتصاد والتحول نحو اقتصاد السوق الرأسمالي والانتقال من نظام الاقتصاد المخطط الذي تديره الدولة إلى الاقتصاد المفتوح على الخارج بدون قيود تذكر.  وأهم نتيجة لهذه الاستراتيجية تضخم طبقة الطفيليين الذين يشكلون جزءاَ من قاعدة المنظومة الفاسدة الذين يغتنون من سوق العملات والعقارات وعقود تراخيص النفط والمشاريع الوهمية.

ومن مساوئ الديون الخارجية فقدان استقلالية القرار الاقتصادي الوطني وتنفيذ شروط الدائنين الدوليين كشرط اساسي لإعادة جدولة المديونية والحصول على قروض جديدة. والأخطر في مسالة الديون الخارجية أن المواطن العراقي يولد وهو مدين إلى الخارج بألاف الدولارات.

وقد ادى عدم الاستثمار الجيد للقروض الخارجية في إنشاء قاعدة تنموية انتاجية تعوض البلد عن الاستيراد الخارجي، إلى خلل هيكلي وتدهور مريع في البنية الاقتصادية الكلية.

وقد اسفرت نتائج سياسات الحكومة استجابة لإملاءات صندوق النقد الدولي إلى إحباط خطط التنمية المعول عليها في إنقاذ الاقتصاد من وضعه المتأزم، وإلى شلل القطاعات الانتاجية، وتحول العراق إلى بلد يعتمد كليا على الخارج في تامين معيشته. وأدى سوء توزيع الدخل والثروة إلى تعمق حدة التفاوت الطبقي والاجتماعي ونشوء طبقات طفيلية جنت مئات المليارات من الدولارات ويقابل ذلك اتساع مساحات الفقر والجوع والبؤس لدى طبقات وشراح اجتماعية كثيرة.

وتودي زيادة القروض الخارجية إلى تزايد معدلات التضخم وتدهور قيمة العملة الوطنية والقيمة الحقيقية للأصول التي يمتلكها الأفراد، مما يضطر الكثير من المواطنين إلى إيداع أموالهم في البنوك الأجنبية وهروب رؤوس الأموال خوفا من تآكلها. إن تزايد خدمة الديون الخارجية تساهم بدرجة كبيرة في إضعاف قدرة الاقتصاد على تكوين المدخرات المحلية. كما أن الديون الخارجية تعمق تبعية العراق اقتصادياَ ومالياَ إلى الجهات الدولية الدائنة، مما يجعله يتأثر بشكل مباشر بالأزمات التي يتعرض لها النظام الرأسمالي.

ونستنتج من ذلك أن النظريات والبرامج الغربية المعبرة عن جشع الدائنين، لا يمكن ان تنقذ الاقتصاد العراقي من وضعه المزرى، وان العراق سيكون في وضع أفضل بكثير لو لم يقع في مستنقع الديون الخارجية. 

نحو سياسة اقتصادية بديلة عن الاقتراض الخارجي

إذا كان لا بد من الاقتراض الخارجي فيجب أن يكون الاقتراض فقط لتمويل المشاريع الاستراتيجية مثل مصافي النفط، والبتروكيماويات وميناء الفاو التي تولد دخلاَ كبيراَ لتمويل خدمات القروض. ومن الأجدى لأي بلد أن لا يذهب للاقتراض من صندوق النقد الدولي، فعادة ما تكون قروضه مشروطة بحزمة من الإجراءات المؤلمة التي تدمر الاقتصاد وتصادر قراره الوطني.

إن الإفلات من شرك الديون الخارجية وتفكيك الأزمة المالية المتفجرة لا يمكن أن يتحقق، إلا بتغيير منظومة الحكم الفاسدة، وتخليص البلد من حيتان الفساد ومافيات المال. وقد أصبح التغيير، مطلباَ شعبياَ لا يقل أهمية عن مطلب الخبز والدواء. فالتغيير المنشود كان ولا يزال أحد الاهداف الرئيسية للشعب ولانتفاضة تشرين الشبابية التي اندلعت في تشرين الثاني في عام 2019.

إن الأزمة المستدامة هي أزمة متراكمة جراء السياسات الخاطئة ومنهج المحاصصة وسوء إدارة البلد ونهب المال العام والاعتماد على ورادات النفط الخام، وإهمال القطاعات غير النفطية، الزراعية والصناعية والخدمية، وعدم تبني سياسة تنموية مستدامة تخلص البلاد من الاقتصاد الريعي.

فالوضع الحرج الذي يعيشه الاقتصاد العراقي، كونه اقتصاداَ ريعياَ واستهلاكياَ فإن معالجته تتطلب إحياء القطاعات غير النفطية على صعيد الصناعة والزراعة والسياحة وتفعيل دور القطاع الخاص المحلي والاجنبي والقضاء على الفساد الإداري والمالي وغسيل الأموال وذلك بوضع برامج رقابية صارمة وفعالة تتولاها دولة مؤسسات وديوان الرقابة المالية.

 إن اختيار أسلوب الاقتراض لحل الأزمات المالية ليس بالحل الأمثل في المدى البعيد، ولن يأتي بثمار ايجابية على الاقتصاد، ما لم ترافقه حزمة من الإجراءات الإصلاحية التي تساهم في حل الأزمة ومنها:

1- خفض الإنفاق والتركيز في ضبط أوضاع المالية العامة واحتواء نمو النفقات الجارية، وتحديد أولويات النفقات الرأسمالية، وتعزيز الإيرادات غير النفطية، واعتماد سياسة مالية تعمل على زيادة تنويع مصادر الإيرادات المالية للدولة، وتوجيه السياسة المالية لزيادة الإنفاق الاستثماري وتنويع الهيكل الإنتاجي.

2- التوجه نحو تنويع مصادر الدخل، من خلال إعادة هيكلة القطاعات الاقتصادية المتنوعة ومساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي، والتي تهدف إلى إيجاد قطاعات مولدة للدخل لكي ينخفض الاعتماد على القطاع النفطي، الأمر الذي يؤدي إلى رفع معدلات النمو في الأجل البعيد، والتخلص من المخاطر التي يفرضها الاعتماد شبه التام على النفط.

3- تحفيز ودعم القطاع الخاص، ووضع برنامج لإشراك هذا القطاع في إدارة الاقتصاد، من خلال إعادة هيكلته بما ينسجم مع ما ورد في البرنامج الحكومي من تشجيع التحول الذي أطلقته الحكومة للقطاع الخاص، وتنفيذ استراتيجية تطويره.

ان تفكيك الأزمة الهيكلية للاقتصاد العراقي وتحريره من غول الديون الخارجية يتطلب برنامجا اقتصاديا استراتيجيا على نمط مشروع  (مارشال)  لإعادة هيكلته على أسس جديده تخرجه من طابعه الريعي. وإعادة بناء وتطوير قطاعاته الانتاجية الصناعية والزراعية والسياحية، وإصلاح النظام الضريبي والمالي للاستفادة من إراداته وتحويل المؤسسات الحكومية المتلكئة والخاسرة إلى القطاع المختلط بدلاً من خيار الخصخصة والقضاء على الفساد الاداري والمالي. ولا بد من تهيئة المناخ الاستثماري لجذب الاستثمار الأجنبي وفقاَ لاحتياجات الاقتصاد الوطني لدعم العملية التنموية والاستفادة من الثورة العلمية والتقنية.

وفي هذه العملية تظهر أهمية تفعيل دور القطاع الخاص والاستفادة من قدراته المالية والادارية والتكنولوجية في تعزيز الانتاج الوطني مما يوفر فرص عمل كثيرة ومتنوعة لتشغيل اعداد كبيرة من الطاقات والكفاءات العاطلة، ويجب معالجة مشكلة غسيل الأموال معالجة جذرية لكونها تشكل تحدياَ خطراَ يواجه التطور الاقتصادي. الاستهلاك الشعبي، لتغطية الاحتياجات المتنامية، والاهتمام بزيادة انتاج

ويتطلب ذلك تعبئة كافة الموارد المالية والبشرية والعلمية لتطوير البنية الانتاجية والعمل على زيادة السلع التصديرية التي يمتلك العراق ميزة نسبية في انتاجها خاصة في الصناعات البتروكيمياوية وصناعة تصفية النفط ورفع مستوى انتاجيتها وتركيز الاعتماد على القوى الذاتية. ولا بد من توفير شروط أفضل لزيادة إنتاج المنتجات ذات الأداء في باقي الانشطة الصناعية والزراعية وإصلاح نظام الأجور والمعاشات. واتباع سياسة نقدية ومالية مناسبة لمكافحة التضخم وتخفيض معدلات البطالة، وضرورة إعادة توزيع الثروة بطريقة تقود إلى تقليص الفجوة الاجتماعية.

إن هذه الخطوات المهمة وغيرها سيكون مصيرها الفشل ان لم تترافق مع إصلاح جذري في أجهزة الدولة الإدارية والرقابية وإزاحة مافيات الفساد وتطهير الادارة من البيروقراطية والمحسوبية الطائفية والحزبية.

إن البيئة الاستثمارية الخصبة ستحول العراق إلى بلد جاذب للاستثمارات بدلا من ان يكون طارداَ لها. والعراق رغم وضعه المرتبك فإنه فضاء واسع، وبيئة واعدة تستهوي المستثمرين ورجال الاعمال. وفي الوقت نفسه فهو بحاجة ماسة إلى المساعدة والمعاضدة الدولية. 

وفي ضوء ما تقدم فان عملية الاصلاح يجب ان تحقق التوازن في عملية التنافس بين القطاعين العام والخاص، وفسح المجال أمام مبادرات القطاع الخاص من أجل المشاركة في تعبئة الموارد المحلية اللازمة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية. والتخفيف من الأعباء التي تتحملها ميزانية الدولة، بسبب استمرار دعمها للمشاريع والشركات التي اثبتت التجربة عدم جدواها الاقتصادية، وتوجيه الانفاق العام نحو دعم البنى الأساسية والمنشآت الاقتصادية ذات الاهمية الاستراتيجية. وتطوير السوق المالية المحلية وتشجيع حركتها بما يدعم تنمية القدرات الانتاجية. واتباع اجراءات تقشفية صارمة في الانفاق الحكومي الاستهلاكي من أجل تعظيم الايرادات العامة.

إن الاصلاح المنشود ينبغي أن يكون خياراَ وطنياَ قبل كل شيء وبالمقاسات الوطنية، وان لا يفرض من الخارج وأن لا يكون من رؤية صندوق النقد والبنك الدوليين، ولا من منطلق التكيف مع المصالح الاقليمية التي تسعى إلى تخريب الصناعة والزراعة العراقية والثروة السمكية وإعاقة اي توجه وطني للنهوض بهذه القطاعات الحيوية، من أجل أن يبقى العراق سوقاَ لتصريف منتجاتها.

إن خروج البلد من نفق الأزمة يتطلب برامج استراتيجية واضحة المعالم وفق سقوف زمنية تتبنى سياسة تنويع مصادر الدخل الوطني، وتنمية القطاعات الأساسية، وضبط موارد المنافذ الحدودية والكمارك، واعتماد الضريبة التصاعدية، وإنشاء الصناديق السيادية وتشريع قانون عادل ومنصف وموحد للرواتب، ووقف الهدر والبذخ على كافة المستويات، والتصدي الناجع للفساد، واسترداد الأموال المنهوبة، فالمعالجة تتطلب عملية اصلاح جذري ينقذ الاقتصاد من الاختلالات العميقة وفق رؤية وطنية وواقعية بعيدة عن النظريات الغربية التي أثبتت الحياة عدم جدواها، ووفق تشريع يلزم الحكومة الحالية والحكومات المستقبلية بتنفيذ عملية الإصلاح الذي يستهدف في أولوياته إعمار البنى التحتية والتحول نحو الاقتصاد عقود التراخيص بما يضمن مصالح العراق ويؤمّن تجنيبه تبعات التذبذب في أسعار النفط.

وانطلاقا من الادراك العميق لتداعيات الديون الكارثية ندعو الحكومة العراقية والبرلمان العراقي إلى إيقاف فوري والزامي للاقتراض الخارجي وتجفيف ديون العراق الخارجية، بدلاَ من التوجه لطلب قروض جديدة وتكبيل العراق بمديونية ضخمة تستنزف عائداته النفطية  

ونعتقد أن البديل عن الاقتراض الخارجي هو الاصلاح المالي والاقتصادي والاداري وإزاحة الفاسدين عن مواقع السلطة الأساسية، ووضع الانسان الكفوء في المكان الذي يستطيع الابداع فيه. حيث يتمتع العراق بقدرات مالية وثروات معدنية ضخمة، تكفل له تمويل موازناته العامة والاعتماد على موارده الذاتية للخروج من نفق الديون الخارجية. ونرى أن أمام الحكومة خيارات كثيرة في حال استغلالها سوف توفر للدولة مئات المليارات من الدولارات.

إن الافراط في الاستدانة الخارجية بدون رؤية مدركة لعواقبها المتوقعة والافتقار إلى خطط مدروسة لاستثمار القروض في مشروعات منتجة ومربحة وإنفاق معظم القروض على الاستهلاك والمشروعات الوهمية قد ادى إلى تضخيم المديونية الخارجية.