اخر الاخبار

لم تعد أزمة البطالة في العراق مجرد أرقام تتكرر في التقارير الاقتصادية، بل تحولت إلى واقع يومي يعيشه آلاف العاملين من حملة الشهادات العليا والخريجين، الذين وجدوا أنفسهم بعد سنوات الدراسة الطويلة في مواجهة سوق عمل قاس، لا يعترف بتعبهم ولا بمؤهلاتهم العلمية. فالكثير من هؤلاء لم يبقوا عاطلين عن العمل فقط، بل اضطروا إلى الانخراط في أعمال خارج تخصصاتهم وبأجور متدنية وظروف تفتقر إلى أبسط الحقوق، حتى ظهر اليوم مصطلح "العامل الخريج"، أي الشاب الذي يحمل شهادة جامعية لكنه يعمل تحت ضغوط اقتصادية واستغلال بمستوى ما تعانيه الشغيلة.

احتجاجات العاملين الخريجين  صوت يبحث عن العدالة

في الآونة الأخيرة، تصاعدت احتجاجات العاملين من الخريجين وحملة الشهادات العليا في بغداد والمحافظات، بعد أن ضاقت بهم السبل أمام غياب فرص الحصول على عمل وتراجع قدرة الدولة على استيعابهم. هؤلاء الذين دخلوا الجامعات بأحلام بناء مستقبل مستقر، وجدوا أنفسهم يعملون في شركات أهلية ومؤسسات خاصة برواتب بالكاد تكفي لمتطلبات الحياة اليومية، فيما يواجه كثير منهم الاستغلال وساعات العمل الطويلة وغياب الضمانات الاجتماعية.

القطاع الخاص واستغلال الحاجة إلى العمل

ويعيش العامل الخريج في العراق أزمة مزدوجة، فهو من جهة يحمل عبء البطالة المقنعة، ومن جهة أخرى يتحمل ضغوط سوق العمل الخاص، الذي بات يستثمر حاجة الشباب للعمل لفرض شروط قاسية عليهم، إذ تلجاً بعض الشركات إلى تشغيل الخريجين بعقود مؤقتة أو بدون عقود رسمية، ما يحرمهم من الضمان الاجتماعي أو الإجازات أو حتى الاستقرار الوظيفي. والأخطر من ذلك أن العامل الخريج غالبا ما يُجبر على القبول بهذه الظروف خوفا من العودة إلى دائرة البطالة. 

ماركس العامل الخريج

وإذا كانت حاجة الإنسان إلى العمل أداة ضغط بيد البرجوازية، مالكة وسائل الإنتاج، لفرض شروطها على الشغيلة واستغلالها بأبشع الصور لمضاعفة أرباحها، كما قال ماركس في تحليله لعلاقة العمل برأس المال، فإن وجود أعداد كبيرة من الباحثين عن العمل، أو ما أسماه ماركس (جيش الاحتياط من العاطلين)، يُضعف قدرة العاملين على المطالبة بحقوقهم، ويقدم خدمة كبيرة للمستغِلين كي يفرضوا على العمال القبول بأجور منخفضة وظروف عمل قاسية وبغياب مستلزمات الضمان الاجتماعي. ويبدو هذا الأمر منسجماً تماماً مع واقع الخريجين العاطلين، حيث يجبر اتساع دائرة البطالة وغياب البدائل العامل الخريج على القبول بأجور منخفضة وظروف عمل غير مستقرة، وإلى اليأس من أن تكون الشهادة الجامعية طريقه للحصول على فرصة عمل، تضمن له حياة كريمة أو مكانة اجتماعية مستقرة.

اقتصاد ريعي وفرص عمل هشة

وبسبب السياسات النيوليبرالية لمنظومة المحاصصة والفساد، ساد في البلاد الاقتصاد الريعي وتقلصت باقي القطاعات الإنتاجية إلى درجة خطيرة، وباتت تخلو من فرص عمل تستوعب الأعداد المتزايدة من الخريجين. فالصناعة المحلية شبه معطلة، والزراعة تعاني من التراجع، فيما يظل القطاع الخاص محدوداً ومتركزاً في أنشطة تجارية وخدمية لا توفر فرص عمل مستقرة أو عادلة.

الفساد والمحاصصة  تعميق لأزمة الخريجين

ولا يمكن إغفال تأثير الفساد والزبائنية السياسية في تعميق هذه الأزمة، إذ يشعر كثير من الخريجين بأن فرص العمل والتعيين لا تعتمد دائما على الكفاءة والخبرة، بل على العلاقات والانتماءات. هذا الشعور بالظلم دفع الكثير من العاملين الخريجين إلى النزول للشارع والاحتجاج، ليس فقط للمطالبة بالتعيين، بل دفاعا عن حقهم في الاعتراف بإنسانيتهم وحقهم بالعيش الكريم.

حماية العامل الخريج مسؤولية اجتماعية

إن قضية العامل الخريج ليست قضية فردية أو مؤقتة، بل تمثل أزمة بنيوية تتعلق بطبيعة الاقتصاد والسياسات الاجتماعية في البلاد. فالدولة التي تنفق سنوات على تعليم الشباب لا يمكن أن تتركهم بعد التخرج في مواجهة البطالة أو الاستغلال. كما أن حماية العامل الخريج تتطلب قوانين أكثر صرامة لضمان حقوق العاملين في القطاع الخاص، وتفعيل أنظمة الضمان الاجتماعي، ومنع استغلال حاجة الشباب للعمل.

إن بناء مجتمع عادل لا يتحقق فقط عبر توفير الوظائف، بل عبر حماية قيمة العمل نفسه واحترام الإنسان المنتج، مهما كانت طبيعة عمله. فالعامل الخريج اليوم لا يطالب بامتيازات استثنائية، بل يطالب بحقه الطبيعي في أن يعيش بكرامة، وأن تتحول شهادته العلمية من عبء نفسي واقتصادي إلى أداة لبناء مستقبله وخدمة مجتمعه.