اخر الاخبار

(باسوكانيس Pasukanic - 1891 - 1937) ينتمي إلى عائلة برجوازية من أصول ليتوانية التحق بكلية الحقوق بجامعة سان بترسبورغ 1919، و حصل على دكتوراه حقوق من كلية الحقوق في جامعة ميونخ بألمانيا 1914. في ألمانيا انكب على دراسة ماركس بشكل معمق وبالتقاليد الماركسية الغربية التي ميزته عن زملائه السوفييت وكان على تواصل مستمر مع التوجهات النظرية القانونية الجديدة عند هانس كلسن Hans Kelsen صاحب النظرية المحضة في القانون وكارل رينر Karl Renn (محامي وسياسي نمساوي) وليون ديغي Leon Deji الفقيه والمفكر القانوني الفرنسي. عمل باسوكانيس كـ(قاضي الشعب) في موسكو 1918 ثم عضوا في محكمة التمييز التابعة للحنة المركزية التنفيذية الفدرالية للحزب البلشفي 1920. ولعل الحدث الأبرز في حياته وطموحه الذي تجلى هو وضعه: (النظرية العامة في القانون والمذهب الماركسي) التي تعد العمل الأهم في مسيرته العلمية ومرجعا لنظرية القانون إلى يومنا هذا.

هذا الرجل كان يملك وعيا مبكرا في موضوع فلسفة القانون المستندة إلى المبادئ النظرية لكارل ماركس إذ قدم محاضرة سنة 1923 سعى فيها إلى تحديث البراديغم النظري للماركسية في مجال القانون وقد لفتت المحاضرة انتباه (ب. أ.ستوكا) عميد أكاديمية موسكو - الذي تعاون معه باسوكانيس لتنظيم قسم الحقوق فيها - باعتبارها طرحا غير مألوف لتعلق الأمر بحداثة الطرح في الرؤى الماركسية، ثم أصدر المحاضرة بكتاب بعنوان (النظرية العامة في القانون والماركسية) الصادر سنة 1924 ترجم إلى الألمانية 1929 ونشر هناك ضمن سلسلة " مكتبة الأعمال الماركسية" وهي ذات الدار التي نشرت كتب ماركس وإنجلز ولينين وبليخانوف وبوخارين وستالين. شكل الكتاب نجاحا كبيرا، ومن آثار هذا النجاح تم تأسيس مدرسة فكرية برعاية باسوكانيس سميت " مدرسة تبادل البضائع" جذبت إليها العديد من الشباب الحقوقيين، ومن آثار هذا النجاح أيضا تولى وظيفة كبير مفتشي التصحيح النظري والفلسفي للقانون السوفييتي 1925. في سنينه الاخيرة اتهم بأنه (عدو الشعب) اعتقل ومات 1937.

هنا نقف عند أهم الأفكار القانونية التي تناولها في دراسته. 

ماركس وابستمولوجيا القانون

- تنطلق النظرية الاقتصادية من الانسان كونه منتجا ومنه أيضا وبنفس التوصيف تنطلق النظرية العامة للقانون كما يقول "باسوكانيس" ويضيف الوقائع والممارسات الاجتماعية وشبكة العلاقات "البينذاتية" باعتبارها واقعا انطولوجيا هي ساحة الدراسات القانونية، هنا هو يقتفي أثر ماركس في نقل فكرة الأساس العلمي في نقده للاقتصاد السياسي إلى دراسة القانون وهذا هو التأسيس الابستمولوجي الذي أسسه لمنهجه الدراسي. هذا الوعي المبكر جعله يتصدى لمن يقول: (إن المذهب الماركسي لا يمكنه دراسة القانون إلا كأيديولوجية) فهو يرفض أن يكون القانون أيديولوجية لأن ذلك يفضي إلى تخويل الأيديولوجية سلطة تفسير القانون وهنا مرتع خصب للتفسيرات المتطرفة التي يمكنها تحريف قصد المشرع والغاية التي كتب من أجلها القانون وتفضي عادة إلى تفسيرات رائدها القمع. إذ يعد هذا التوجه نزعة هيجلية مثالية غير معلنة.

العلاقات الاجتماعية والقانون - يطرح باسوكانيس السؤال التالي: هل يمكن تصور القانون كعلاقة اجتماعية بنفس المعنى الذي استعمله ماركس حيت اعتبر رأس المال علاقة اجتماعية ؟ يجيب بـ (نعم) ويضيف أن نقد الاقتصاد السياسي الوارد في كتاب "رأس المال " ليس نقدا اقتصاديا ولا تاريخيا ولا اجتماعيا ولا سياسيا بل هو تحليل نقدي للواقع الاجتماعي الذي يجب أن تعيه الفئات الاقتصادية، ولفهم هذا الموقف الفكري لا بد من فحص الطابع النظري لكتاب "رأس المال" بغية تقييم الأثار المترتبة على مستوى العلاقات الاجتماعية التي تفهم على أنها الفضاء الاجتماعي للقانون، ويلخص أفكاره في فرضيتين: الأولى - (أن المجتمع هو الفضاء الذي يتم فيه إنتاج وإعادة إنتاج العلاقات الاجتماعية بشكل مستمر: (علاقات عمل: عامل ورب العمل) هذه العلاقات ينتجها المجتمع وهي ليست مجرد أفكار قانونية.

 الفرضية الثانية: أن الفئات القانونية تحدد الحياة الاجتماعية بشكل مستقل عن الفاعلين آخذا بالاعتبار ما قاله ماركس عن الفئات الاقتصادية أي أن القانون انعكاس لهذه العلاقات وليس قواعد مفروضة من الخارج، فالرأسمالية تقوم على التبادل بين أفراد أحرار(ظاهريا) هذا التبادل يتطلب نظاما قانونيا (عقود، حقوق والتزامات)، وخلاصة القول إن الفرضية الأولى - تحدد الأساس في علاقات مادية، الفرضية الثانية - موقع القانون من هذه العلاقات يعني إذا تغيرت العلاقات تغير القانون. ليصل إلى النتيجة التالية: (إن الفرد ينخرط في مجتمع التداول كموضوع قانوني بنفس الطريقة التي تنخرط بها منتجات العمل المتداول باعتبارها بضاعة).

الطابع القانوني والتكافؤ - التكوين الاجتماعي والسياسي للذوات القانونية مرتبط بالمجتمع لا القانون بدليل هناك العديد من الفئات لهم وجود اجتماعي ولكن ليس لهم وجود قانوني كالعبيد أو نسبيا المرأة والتمييز العنصري. هؤلاء يكتسبون الذات القانونية من خلال التحولات الاجتماعية كالنضال والصراع الطبقي وليس من القانون المستقر فوقيا، فالقانون بالنسبة له ليس مجرد قواعد محايدة بل هو شكل اجتماعي اي انعكاس لعلاقات التبادل وليس نظاما أخلاقيا محضا. ولما كان الأفراد ذواتا قانونية فإن هذه الذوات لا يقر بوجودها إلا من خلال الاحتكاك بذوات أخرى في المجتمع، أي تكتسب وجودها الموضوعي من خلال تفاعل الأفراد فيما بينهم وهذا التمظهر هو الذي يفضي بالإقرار الموضوعي بحقوق الآخر وهنا يتم التعارف المتبادل بحقوق كل فرد ويطرح موضوع التكافؤ الحقوقي ولهذا التكافؤ آثاره القانونية منها الأفراد متساوون أمام القانون. فالتكافؤ شرط للبناء القانوني. والتكافؤ الذي ينشئ العقد يحمل أيضا تكافؤ نزاع فان انشاء العقد كتبادل وان كان يبدو عادلا لكنه وكما يقول ماركس يخفي الاستغلال (فائض القيمة) وقد أخذ بازوكانيس هذه الفكرة عن ماركس وقال إذا كان القانون يبدو محايدا وعادلا إلا أنه يخفي الهيمنة الطبقية فالقانون عنده هو الشكل القانوني لنفس العلاقات التي حللها ماركس اقتصاديا.

القانون في التطبيق - أو ما يسميه باسوكانيس (التمظهر الخارجي للقانون) أي تطبيق النصوص القانونية في المؤسسات القضائية من خلال المحاكم، فالقانون بالنسبة له ليس مجرد نصوص أو قواعد مجردة بل هو في جوهرها ترتبط بالبنية الاقتصادية فيتمظهر في المحاكم بمواضيع مختلفة كالعقود والملكية والحقوق، والقانون في الممارسة هو الشكل الذي تظهر من خلاله العلاقات الاقتصادية غير مستقل عنها. وهو يرى ان القضاء ليس جهازا محايدا بل هو جزء من البناء المؤسسي للدولة والدولة عنده ليس بتشكيل يعلو على المجتمع بل تنظيم للسلطة يعكس هوية وبنية المجتمع الطبقية. ولما كانت المساواة حق أمام القانون فالقضاء يضمن هذه المساواة والدولة تحتكر الإكراه لتجعل ذلك ممكنا.

على مستوى القانون الجنائي يقول: يمكن اعتبار الجريمة على أنها مجموعة متنوعة ومحددة للتبادل اي بعد وقوع الفعل يتم انشاء التبادل وبذلك يكون العمل القضائي ليس مجرد تقدير بل الشكل القانوني نفسه مرتبط بعلاقات التبادل ففي القانون المدني يكون التبادل واضحا (عقد - تبادل إرادتين متساويتين) أما في القانون الجنائي فان شكل التبادل واقع ولكنه مشوه. أي أن التبادل هنا لا يقع بشكل طوعي فالجريمة عندما تقع تقابلها العقوبة هذا التناسب بين الجريمة والعقوبة يشبه التبادل ولكن بصورته القسرية هو هنا يقدم نقدا للشكل القانوني اي حتى العدالة الجنائية متأثرة بمنطق السوق.

يضاف إلى ما تقدم فإن لديه الكثير من الأفكار منها على سبيل المثال: عن دور الدولة التي تتحكم بالإكراه والذي يصل إلى حالة القسر (شرطة، سجون وعقوبات) ومع ذلك فإن القانون يستفيد من القوة الإكراهية إذا تم إخضاعها للعقل والسببية القانونية. موضوع آخر مهم جدا كان إحدى محطاته التنظيرية وهي (تاريخية القانون) ومفاده: أن القانون يتداخل مع التاريخ المادي وهو ظاهرة اجتماعية تاريخية سيتلاشى تدريجيا إذا تلاشت الأسباب المكونة لوجوده اي عندما تختفي الملكية الخاصة وتبادل السلع بالمفهوم الرأسمالي.