في الخامس من أيار عام 1818، ولد كارل ماركس في مدينة ترير الألمانية، وسرعان ما ظهرت قدراته الذهنية الكبيرة منذ طفولته، حيث تفوق في دراسته، فحصل على شهادات جامعية في القانون والتاريخ والفلسفة، ونال شهادة الدكتوراه وهو في الثلاثين من عمره.
وبحلول أربعينيات القرن التاسع عشر، ومع اندلاع الثورات في أنحاء أوروبا ونمو الطبقة العاملة وتعزز دورها في النضال ضد الاستغلال الرأسمالي، انتقل ماركس من العمل الأكاديمي إلى النشاط الفعال في الحركات السياسية المعاصرة. وكان له، بالتعاون مع رفيق دربه فريدريك إنجلز، الفضل ليس في تفسير العالم فقط، بل أيضًا في وضع استراتيجيات علمية لتغيير هذا العالم وتطهيره من آثام الاضطهاد الطبقي. وقد أنتجا معًا أعمالًا أثرت في أجيال عديدة وخدمت تقدم البشرية وتحضرها.
أبرز مؤلفات ماركس
تركت النتاجات الفكرية لماركس في الفلسفة والاقتصاد السياسي والنقد الاجتماعي تأثيرًا عميقًا في الفكر الإنساني. وكان كتابه (رأس المال)، الذي حلل فيه النظام الرأسمالي وآليات الاستغلال التي تتحكم به، وفائض القيمة التي ينتجها العامل الذي يبيع قوة عمله ليعيش، أهم أعماله الخالدة.
كما شرح ماركس في (البيان الشيوعي)، الذي أصدره عام 1848، نظرية الصراع الطبقي وآفاق الخلاص منه بقيام المجتمع الاشتراكي بقيادة الطبقة العاملة، وصولًا إلى مجتمع يخلو من الاستغلال ويقوم على شعار (من كلّ حسب قدرته، ولكلّ حسب حاجته).
ماركس والطبقة العاملة
يُعدّ كثيرون فكر كارل ماركس وتعاليمه ومنهجه أساس ما حققته الطبقة العاملة من انتصارات، وما انتزعته من حقوق، سواء في الصراع ضد عدم المساواة والتمييز بكل أشكاله، أو من أجل الحرية والعدالة، وذلك من خلال فضحه للظلم الرأسمالي المتمثل باستغلال رأس المال لطبقة العمال الأحرار والمحرومين من ممتلكاتهم، وباللاعقلانية الناتجة عن زيادة الإنتاج لتحقيق أقصى الأرباح مهما أدى ذلك إلى استغلال وخراب وركود، وأخيرًا في طبيعته غير الديمقراطية نتيجة غياب المساواة الاجتماعية في ظل السلطة الطبقية.
لقد كشف ماركس عن وجود طبقتين متقابلتين في النظام الرأسمالي، هما البرجوازية، أي مالكو وسائل الإنتاج، والبروليتاريا، أي العمال، مؤكدًا أن (البرجوازية تُنتج حفّاري قبرها بنفسها؛ فسقوطها وانتصار البروليتاريا أمران حتميان بالقدر نفسه).
ماركس الخالد
اعتبرت دراسات كثيرة ماركس عدة رجال في رجل واحد؛ فهو عالم اجتماع اكتشف القوانين التي تتحكم بتطور المجتمعات البشرية، وهو فيلسوف رسم منهجًا جدليًا لتطوير الفكر، واقتصادي شرح كيف يؤدي تخلف علاقات الإنتاج عن تطور القوى المنتجة إلى صراع بين المالكين والمحرومين من الملكية، وأن هذا الصراع هو القوة الأساسية التي تدفع التاريخ والتغير الاجتماعي إلى الأمام، وهو ثوري ساهم في كفاح العمال اليومي، النقابي والسياسي والاقتصادي والثقافي.
وقد لاقى ماركس صعوبات كبيرة بسبب مواقفه الفكرية والنضالية، حيث حُرم من العمل ونُفي إلى خارج البلاد، وتم التضييق عليه وتجويعه هو وعائلته، فعاش ضنك الحياة حتى رحيله في 14 آذار 1883، حيث دُفن في لندن.