اخر الاخبار

في يوم 3/5/2026، انطلق فلاّحو ومزارعو العراق في تظاهرات كبيرة بالعاصمة بغداد، بعد تحضيرات استمرت لأكثر من عشرين يوماً، للمطالبة بحقوقهم المشروعة. تمثلت هذه المطالب في الإبقاء على التسعيرة السابقة لمحصول الحنطة والبالغة (850) ألف دينار للطن، وتسديد مستحقاتهم عن محاصيل السنوات السابقة، فضلاً عن إعادة النظر في الخطة الزراعية، وأجور السقي، وتأجيل ديونهم، خاصة في ظل عدم السماح لهم بالزراعة خلال المواسم الماضية بسبب شحّ مياه نهري دجلة والفرات، الناتج عن تجاوزات دول المنبع، تركيا وإيران.

كما طالب المحتجون بضرورة تحديد غلة الدونم بشكل علمي ووفق الظروف الموضوعية، بما ينسجم مع التحديات البيئية والمائية التي يواجهها القطاع الزراعي. إلا أن هذه التظاهرات قوبلت، للأسف، بأسوأ أساليب التعامل، حيث جرى تفريق المتظاهرين باستخدام خراطيم المياه الحارة، في مشهد أثار استياءً واسعاً.

وعلى إثر ذلك، سارع السيد رئيس الجمهورية، والسيد رئيس الوزراء المنتهية ولايته، وعدد من النواب والمستشارين، إلى إصدار بيانات وتصريحات تندد بما تعرض له الفلاحون، مؤكدين أهمية دعمهم وإسنادهم لارتباطهم الوثيق بتحقيق الأمن الغذائي. غير أن هذا التفاعل ظل في إطار التصريحات، دون أن يُترجم إلى إجراءات عملية.

فلم نشهد، حتى الآن، أي تحرك حقيقي من قبل الجهات التنفيذية أو التشريعية، لمساءلة وزارتي التجارة والمالية بشأن توجيهاتهما إلى السايلوات بعدم استلام محصول الحنطة من الفلاحين، ما لم يقدموا كتباً رسمية تثبت براءة ذمتهم من الديون. وهو ما أكده النائب الأول لمحافظ النجف ورئيس المجلس الزراعي قبل أيام.

هذا القرار يثير تساؤلات جوهرية، إذ كيف يُطلب من الفلاح تسديد ما عليه من ديون، في وقت لم تُسدَّد له مستحقاته من قبل الدولة منذ أكثر من عام؟ وكيف يُحاسَب على التزاماته المالية، بينما تظل التزامات الحكومة تجاهه معلّقة؟

أهكذا تُدار العلاقة بين الدولة والفلاح؟ وكأننا أمام معادلة غير متكافئة، يُلزم فيها الطرف الأضعف بالدفع، بينما يتأخر الطرف الأقوى عن الوفاء. المثل الشعبي يقول: "السطح واحد والهواء شكلين"، لكن الواقع هنا يبدو أكثر تعقيداً؛ فالدَّين واحد، لكن تطبيقه مختلف.

من أين للفلاح أن يسدد، وهو لم يستلم مستحقاته، ولم يُسمح له بزراعة أرضه لأكثر من موسم، وفي الوقت نفسه يُطالب بتحقيق الأمن الغذائي وتحمل كامل المسؤولية؟

إن المطلوب اليوم ليس بيانات تضامن، بل قرارات حقيقية تعيد التوازن لهذه العلاقة المختلة. المطلوب إعادة النظر بهذا القرار، قبل أن تبقى محاصيل الفلاحين مكدسة أمام السايلوات، عرضةً للتلف، في مشهد لا يليق ببلدٍ يطمح إلى تحقيق أمنه الغذائي.

ــــــــــــــــــ

* مهندس زراعي استشاري