اخر الاخبار

نشرت وزارة العدل الأمريكية، متأخرة بأسابيع، وبعد مماطلة، دُفعة أخرى من ملفات جيفري إبستين التي بحوزتها، ولكن بعد حجب وإخفاء الكثير من الأسماء والصور والتفاصيل (أكثر من عشرة آلاف حالة حجب)، ليس لحماية الضحايا، كما يفترض، وكما تدّعي هي، بل لحماية مرتكبي الجرائم. وقد أغفلت، عمداً ربما، حجب صور وأسماء الكثيرات من الضحايا، وعادت لتحجبها بعد سيل الاعتراضات والشكاوى.

لكن ما انكشف إلى حد الآن في أكثر من ثلاثة ملايين وثيقة، وهي نصف ما هو بحوزة وزارة العدل، وما يطالب أقارب الضحايا ومحاموهن بنشره، يكفي لإثبات تورط عدد كبير من الأشخاص في الشبكة العالمية الواسعة، التي نسجها إبستين حوله على امتداد سنوات طوال، وتواصلهم معه قبل وبعد إدانته وفضحه.

كما تشير المراسلات إلى اشتراك عدد منهم في جرائم استغلال واغتصاب الفتيات القاصرات وحتى تعذيبهن، سواء في جزيرة إبستين، أو في بيته الفخم في نيويورك، أو في مزرعته في ولاية نيومكسيكو. وهناك إشارات إلى جرائم أكثر وحشية وجثث لضحايا قد تكون مدفونة في تلك المزرعة. وكان وزير العدل الأمريكي قد أقر بأن الأدلة التي تتضمن أعمال عنف ومشاهد دموية لن تنشر. وتجمع شبكة عميل الموساد هذا (مع أن وسائل الإعلام السائدة، في الولايات المتحدة بالذات، تصرّ على إغفال حقيقة نشاطاته الأساسية وارتباطه بالموساد منذ عقود، بل تحاول الترويج لسردية يكون فيها عميلاً روسياً لإبعاد الشبهات الدامغة عن إسرائيل) شخصيات من حقول ومجالات متداخلة، من السياسة والمال و«وول ستريت»، وما يسمّى وادي السيليكون وشركات الأسلحة، إلى مخرجين ومنتجين في هوليوود، ومن رؤساء جامعات وأكاديميين مرموقين في أهم الجامعات الأمريكية إلى وكالات الأزياء. ومن رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق، إيهود باراك، الذي قد يكون هو الذي أشرف على تدريب إبستين وظل على علاقة وثيقة به، وزاره أكثر من ثلاثين مرة في بيته في نيويورك، إلى آل كلينتون وترامب وتوني بلير، ومن أمراء وسفراء من الشرق والغرب، إلى بيل غيتس وإيلون ماسك، ورئيس شركة موانئ دبي، سلطان بن سليم! وإذا كان للصهاينة، ولليهود منهم، حصة الأسد في شبكة إبستين، فإن حلقاته المتداخلة ضمّت من يُحسبون على اليمين، واليسار أيضاً، كما ضمّت ديمقراطيين وجمهوريين، وعرباً وأعاجم.

أثارت تفاصيل الجرائم التي اقترفها إبستين، والتي سهّل لآخرين ارتكابها، ونجاحه في الإفلات من القانون والعقاب لسنوات، واستخدام نفوذه وعلاقاته للتخفيف من الحكم، أثارت غضباً عالمياً عارماً. وترجم الكثيرون هذا الغضب إلى أحكام شتّى. فهناك من مثّلت لهم هذه الجرائم وشبكة مرتكبيها والذين تواطأوا معهم، أو تستروا عليها مؤسسات وأفراداً «سقوط الغرب» أخلاقياً. يفترضُ حكم كهذا أصلاً تفوقاً أخلاقياً لما يسمّى «الغرب». لكن هناك أرشيفا وتاريخا طويلا من الجرائم والسقطات، بل الهاويات الأخلاقية، يعود لقرون، وللبدايات المتخيلة أو الحقيقية لنشوء هذا الذي نسميه «الغرب»، ويستمر إلى العصر الحديث والشواهد كثيرة. كما أن جرائم الاستغلال الجنسي بحق القاصرات لا تقتصر على بقعة جغرافية دون غيرها، ولا تحتكرها ثقافة دون أخرى، بغض النظر عن الشعارات وأوهام التفوق الأخلاقي المتخيّل، شرقاً أو غرباً. قد يكون الفارق هو المدى الذي يمكن فيه للقوانين أن تحمي الأفراد والضحايا وتعاقب وتردع المجرمين وتحمي المجتمع من شرورهم. ولكن رأس المال، كما رأينا، ينجح في التملّص من القانون في أحيان كثيرة، وفي تحييده وإبطال أو تخفيف مفعوله وتبعاته، مثلما ينجح النفوذ في ذلك.

لا جدال في شرّ إبستين وحقارة شركائه ووحشية جرائمهم، لكن إبستين هو أيضاً عرض من أعراض هذه الحقبة من الرأسمالية المتأخرة. وتمثل ظاهرته هذا التضافر في المصالح والتحالف الوثيق بين النخب والمؤسسات التي تتحكّم بالعالم وتستغلّه وتحتكر ثرواته، وتحتقر بقية البشر، ممن ليسوا في أعالي هذه التراتبية. يمكننا أن نقرأ في إحدى الرسائل السؤال الذي طرحه إبستين على بيل غيتس: «كيف نتخلص كلياً من الفقراء؟». وقد لا نبالغ إذا قلنا إن هذه الجرائم والممارسات الصادمة تظهر بوضوح الوجه الأوحد الذي يعكس أخلاق منظومة الرأسمالية وثقافتها وقيمها، بعد أن تسقط الأقنعة التي توضع في المؤتمرات والاجتماعات. وإطلاق العنان لشهوات النخب ورغباتها بلا وازع ولا رادع. ولا تنفصل هذه الجرائم عمّا تمارسه وتقترفه هذه النخب، أو تشرعنه وتنظّر له، وتحث عليه، من عنف جسدي وبنيوي ضد ملايين الأجساد الأخرى. وضد كل من وما يمكن أن يُستغل ويسلّع ويدر ويراكم ربحاً. فالهدف هو السيطرة على الأجساد والأراضي وما فوقها وما تحتها من الثروات واستباحتها. والاستثمار في الفوضى والحروب وحتى الإبادة. وهل هناك ما هو أكثر بربرية من بناء منتجعات سياحية فوق المقابر الجماعية. ولو كان إبستين حيّاً وحرّاً لعيّنه صديقه ترامب عضواً في مجلس السلام، فكم من مجرم ومجرم حرب فيه. وكما كتب جورج أورويل في رائعته، 1984، «الحرب هي السلام، الحرية هي العبودية، والجهل هو القوة». كتب رئيس بنك باركليز مطمئناً إبستين في واحدة من الرسائل ألا يخاف من احتمال اندلاع ثورات شعبية ضد النخب المالية، لأن الرأسمالية والثقافة الشعبية أخمدت الحركات الاجتماعية والناس الآن يفضلون السلع الاستهلاكية على العدالة الاجتماعية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

"القدس العربي" – 7 شباط 2026